فهرس الكتاب

الصفحة 3334 من 4219

(إياك وحب الرياسة، فإن الرجل تكون الرياسة أحب إليه من الذهب والفضة، وهو باب غامض لا يبصره إلا البصير من العلماء السماسرة فتفقد نفسك، وأعمل بنية) .

ثم جسد حقيقة ينساها طلاب الرئاسة، فذكرهم أن:

(من طلب الرياسة قبل مجيئها: فرت منه) .

أي: يبقى عليه وزر الشوق الآثم، وزفرة الصدر الراغم، ليس إلا، ويرجع صفر اليدين، وبخفي حنين، لم يذهب لأبعد من فضح نفسه أمام جمهور العاملين.

*وكما كانت نظرية الأشكال المؤتلفة مذهبا لعبيد الله بن عبد الله جسده في جماعة عمل متآخية استدركت التفرق: كان نداء الحذر في طلب الرئاسة مذهبا للثوري جسده في جماعة زهد محتسبة استدركت تفرقا آخر، ولانت لا نفس هارون الرشيد، فشغل الناس معه بحج أو بغزو، سنة فسنة.

*وعل الفضيل بن عياض هو أهم أركان تلك الجماعة التي عضدت الثوري في شرح مذهبه من بعده، إذ صحبه وأخذ علمه، وتأخرت وفاته عنه قرابة ثلاثين سنة، كان يكثر خلالها ذم التكلف في طلب الرياسات وعلى الأخص تركيزه على كشف النفسية المعقدة الغربية التي يحملها طالب الرياسة.

يقول الفضيل:

(ما أحب أحد الرياسة إلا أحب ذكر الناس بالنقائص والعيوب ليتميز هو بالكمال، ويكره أن يذكر الناس أحدًا عنده بخير، ومن عشق الرياسة فقد تودع من صلاحه) .

ومن لم يجرب الأعمال الجماعية يستغرب مثل هذا أو يستبعده، ولكن الممارس يحفظ قصصا تصدق الفضيل أيما تصديق، فإن العمل الإسلامي حين يدع الانتقاء، ويلهيه التكاثر بالأعضاء: يدخله أصحاب التخليط ويظهر في محيطه مثل هذا الذي وصفه الفضيل.

فمن لم يزهد في الرياسة صار ميؤوسا منه عند الفضيل، أي وإن زهد في الأموال وأطيب الطعام وجمال النساء، لأن (الزهد في الرياسة أشد من الزهد في الدنيا) ، كما يقول صاحبه وصاحب الثوري، الزاهد يوسف بن أسباط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت