فهرس الكتاب

الصفحة 489 من 4219

تطوين بالإغراء أيامي وأطويها تمني

غنيت حبك وانتشيت وكم فتى بعدي يغني

ولذلك كان من تمام واجب الدعوة أن تنتشل دعاتها من ركب النشوة الهائم، وتميزهم في ركب جد مستقل، وتعاكس أغاني الغافلين بحداء التوبة الإيمانية، إذ يرفع الحادي صوته شاكرًا ...

صحا قلبي وأقصر بعد غي طويل كان فيه من الغواني

بأن قصد السبيل فباع جهلا يرشد وارتجى عقبي الزمان

وقدما كان معترما جموحا إلى لذاته سلس العنان

وأقلع بعد صبوته وأضحى طويل الليل يهرف بالقران

ويدعو الله مجتهدا لكيما ينال الفوز من غرف الجنان

فتمضى قافلة الخير في الطريق عازمة.

غير أنه طريق الفتور الإيمانية، لا طريق الرهبان النصارى، كما قال بعض الشيوخ: (طريقنا تفتي وليس تنصر) .

قال بن تيمية: (يعني هو استعمال مكارم الأخلاق، ليس هو النسك اليابس) [1] .

وآية ذلك: أن لا تترك المال بتاتا، فإنه عصب الحياة والعمل، ولكن تجعله في يدك لا في قلبك، غير فرح به إذا أتى، ولا آسف إذا فات، كما قال تعالى: (لِكَيْلاَ تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) .

هذه الصفات: بعضها يسند بعضا لتكوين الشخصية الإيمانية التي تتولى تنفيذ الخطة الإسلامية.

وفي كلها فضل وخير، غير أن نفس الداعية الحر تبقى طامحة إلى نيل الشهادة.

ليس بين مقتله وبين الجنة إلا خطوة واحدة، كما وصفها جابر بن عامر شاعر ربيعة للإمام أحمد أيام المحنة، إذ لقيه وهو يرسف في الأغلال يقودونه إلى المأمون، فقال جابر:

(يا هذا: ما عليك أن تقتل هاهنا وتدخل الجنة ها هنا!) [2] .

ليس أكثر.

قال أحمد: فشدت كلمته قلبي أيما شد، وثبتتني.

وهكذا: أقل من خطوة.

القتل هاهنا .. والجنة هاهنا ... متجاورين.

ليس بينهما صحراء ..

وما ثم إلا نقلة .. يسيرة.

(1) مجموع فتاوى ابن تيمية 11/ 84.

(2) مناقب الإمام أحمد/312.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت