قد يتكلم المبطل بكلام من الحق يريد به باطلا كما قال أمير المؤمنين عي رضي الله عنه، وربما يصدق الكاذب، ولكن المعول عليه: سلوك القائل وتصرفه.
وكم من كلمة هي من الحق الذي لا شك فيه يوجب الورع السكوت عنها في وقت معين أو تجاه سامع معين، سدًا للذريعة، أو ترجيًا لمصلحة أخرى تزاحمها، من تأليف قلوب، ومراعاة لمستوى الفهم، وغير ذلك.
وفي قصة أبي هريرة رضي الله عنه مع الشيطان السارق تأكيد لهذا المعنى الذي نقوله، من اعتبار سلوك القائل في الحكم عليه، فقد أخرج البخاري في مواضع من صحيحه بلفظ المتابعة غير الموصولة عن شيخه عثمان بن الهيثم بسند صحيح إلى أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- وكله بحفظ الطعام المجتمع من زكاة الفطر في رمضان، فأتاه سارق فجعل يحثو من الطعام، فأمسك به أبو هريرة، فاستدر عطفة، فأطلقه، ثم جاءه ثانية فأطلقه أيضًا، فلما جاءه في الليلة الثالثة قال أبو هريرة:
(لأرفعنك إلى رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم لا تعود ثم تعود:
قال: دعنى أعلمك كلمات بنفعك الله بها.
قال: أبو هريرة: قلت: ما هو؟
قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: الله لا إله إلا هو الحي القيوم، حتى تختم الاية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح.
قال أبو هريرة: فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: ما فعل أسيرك البارحة؟
قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله.
قال: ما هي؟
قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم: الله لا إله إلا هو الحي القيوم، وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح.
وكانوا أحرص شيء على الخير.
فقال النبي -صلي الله عليه وسلم-:
أما أنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟
قال: لا.