ومن هذا قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لعمر:"وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". وهذا هو المانع له -صلى الله عليه وسلم- من قتل من جس عليه وعلى المسلمين وارتكب مثل ذلك الذنب العظيم، فأخبر -صلى الله عليه وسلم- أنه شهد بدرًا، فدل على أن مقتضى عقوبته قائم، لكن منع من ترتب أثره عليه ما له من المشهد العظيم، فوقعت تلك السقطة العظيمة مغتفرة في جنب ما له من الحسنات.
ولما حض النبي -صلى الله عليه وسلم- على الصدقة، فأخرج عثمان رضي الله عنه تلك الصدقة العظيمة قال: ما ضر عثمان ما عمل بعدها) [1] .
عائشة تطبق الميزان ...
وكذلك حال حسان بن ثابت رضي الله عنه: قذف عائشة، وبقي حبه في نفس النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه وأجيال المسلمين من بعدهم، للذي كان عليه من المنافحة بشعره عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، حتى أن عائشة ردت على ابن أختها عروة بن الزبير بن العوام لما سبه وقالت:
(يا ابن أختي: دعه، فإنه كان ينافح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-) [2] .
وقريب من ذلك شهادة أخرى لعائشة في أمر زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله عنهما، فإنه كان بينهما ما يكون بين الضرائر، وكان في زينب من الطباع ما يؤخذ عليها، ولكن ذلك لم يمنع عائشة من إنصافها والثناء على فعالها الإيمانية، فقالت:
(هي التي كانت تساميني من أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- في المنزلة عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولم أر امرأة قط خيرًا في الدين من زينب وأتقى لله عز وجل واشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تصدق به وتقرب به، ما عدا سورة من حدة كانت فيها، تسرع منها الفيئة) [3] .
أي سريعة البرود بعد احتداد غضبها.
وقد وضعتنا عائشة رضي الله عنها هنا أمام نموذجين ينتقلان بنا إلى خطابين:
(1) مفتاح دار السعادة لابن القيم 1/ 176.
(2) صحيح مسلم 7/ 163.
(3) سنن النسائي 7/ 65.