فهرس الكتاب

الصفحة 446 من 4219

إن الغلظة لم يشر عليك بها الناصحون لمعاملة مثل هؤلاء الذين تدلك فراستك أنهم قد يتوبون من قريب، لكنها الرد المناسب لأنفار يقعون في هاوية الفتنة، فما يزالون في وساوسهم من بعد، حتى يخرجوا إلى (تقبيح المحاسن، وصدع الملتئم، وحل المعقود) .

وحتى هؤلاء ليسوا سواء، وعليك أن تنتبه لنفسك، فتعتدل إذا دعتك الحماس لتطرف في التعامل مع المخالف، ما لم يكن ملحاحا جريئا في الهجوم، إذ الاعتدال يوجبه أكثر من نظر فقهي واحد.

فمن ذلك: قاعدة التأويل، وهي من القواعد الفقهية الصحيحة التي سدت أبوابا من الأذى، أن تتأول للمخطئ، وأنه ضحية شبهة غير متعمد، مجتهد غير منحرف، ركبته ساعة غفلة غير مبيت للأمر، ولقد اقتتل الصحابة رضي الله عنهم فتأ, لوا لهم، والقضاة يجتهدون في درء الحدود بالشبهات، واحتاطوا أبعد الاحتياط في تكفير المسلم ما لم يكن قد أتى أمرًا لا يمكن صرفه عن معنى الكفر، وأشياء من هذا الجنس تجعل تأنيك ورفقك ليس بغريب على الحس الفقهي.

ومن ذلك: ترك مجال التوبة لمرتكب الإثم، وفتح باب الأوبة للمخالف، لكنك إن قطعت كل الجسور التي بينك وبينه: ملكه اليأس، أو حكمه الانتصار للنفس، فاترك له معبرا ما أمكنك.

ومن ذلك: سد الذريعة، فإن النصوص الشرعية التي تندب لبعض الخير يتعطل العمل بها في حالة تولد ضرر عنها، والقرارات التنفيذية في الجماعة المسلمة العاملة شأنها أ÷ون، في وضوح لا يحتاج إلى جدل وإتيان ببرهان، ولربما أدى الجمود في تطبيقها إلى ضرر لم يكن مقصودًا حين اتخاذها، وعلى الداعية أن ينبه مسؤولية إلى استثناء الحالات الخاصة، وأن يجذب اللجام، لا يرخيه، ألا تسبق حماسته حماسة قادته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت