ومن الأمثلة التي تبين موقفه هذا وموقف قومه منه ما أخرجه الإمام البخاري من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى البطحاء فصعد إلى الجبل فنادى: ياصباحاه فاجتمعت إليه قريش فقال: أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبِّحكم أو ممسيِّكم أكنتم تصدقوني؟ قالوا: نعم، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا تبًّا لك، فأنزل الله - عز وجل: (تبت يدا أبي لهبٍ وتب. ما أغنى عنه ماله وما كسبَ. سيصلى ناراً ذات لهب) [المسد: 1 - 3] إلى آخرها.
(صحيح البخاري كتاب التفسير رقم 4971،(الفتح 8/ 737 ) )
وكذلك ما أخرجه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: لما نزلت هذه الآية (وأنذر عشيرتك الأقربين) (سورة الشعراء، آية(214 ) ) دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قريشًا فاجتمعوا فَعَمَّ وخص فقال:"يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحمًا سأبلها بِبَلالها". (صحيح مسلم، كتاب الإيمان رقم 204، ص 192.)
فهاتان الروايتان مع روايات أخرى تبين لنا الموقف الصعب الذي كان يواجهه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قومه، وقد أمره الله - تعالى - بدعوة عشيرته الأقربين، وإن في الأمر بالبدء بدعوة الأقربين حكَمًا عظيمة، منها أن بقاء الظلام المحيط بالنور من قرب يحول دون رؤية ذلك النور بوضوح فكان تبديده عاملاً مهمَّا في انتشار ذلك النور، فالبدء بدعوة الأقربين لأنهم محل حكم الناس على الداعية فإذا لم ينجح مع أقاربه كان لذلك أثر في الصد عن دعوته، هذا إضافة إلى أن الدعوة برٌّ وإحسان وأحق الناس ببر الإنسان أقاربه.