فهرس الكتاب

الصفحة 1813 من 4219

ولقد قَدَّم النبي - صلى الله عليه وسلم - بمقدمة تلزمهم بالإذعان لو كانوا متجردين من الهوى والتقليد، وذلك أنه صور نفسه نذيرًا لقومه ينذرهم من جيش قد اقترب منهم"أرأيتم لو حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم"فهذا يعني أنهم على استعداد لقبول إنذاره فيما يتعلق بدنياهم، فلما اطمأن إلى ذلك ذكر لهم ما جمعهم من أجله، وهو إنذارهم مما هو أجل خطرًا وأعظم عاقبة فقال:"فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد"يعني فكما صدقتموني في وقايتكم من مكروه الدنيا فصدقوني في وقايتكم من مكروه الآخرة الذي هو أشد وأبقى.

وفي هذا دلالة على أن من أساليب الدعوة التي سلكها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الاستشهاد بالأمر المعلوم الذي تمت القناعة به على الأمر الجديد الذي يريد الداعية أن يدعو الناس إليه.

فأهل مكة المكرمة آنذاك كانوا يصدقون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كل ما يقوله من أخبار الدنيا، ولذلك لقبوه بالأمين فاعتمد هذه القناعة الثابتة عندهم لدعوتهم إلى الإيمان بالآخرة.

كما أن في هذا دلالة على أنه مما يجب أن يتزود به الداعية الرصيد الأخلاقي الكبير الذي يجبر خصومه على الاعتراف بفضله في هذا المجال ليتوصل بذلك إلى نشر دعوته السامية.

ولكنّ أفراد عشيرته - صلى الله عليه وسلم - هؤلاء صمتوا فلم يجيبوا ولم يستجيبوا لدعوته، بل إن عمه أبا لهب لم يكتف بذلك، وإنما ردّ عليه بهذا الرد القاسي السيئ.

ومع هذه المعاملة القاسية فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ظل صامدًا في دعوته غير عابئ بتحدي قومه ولا بصدودهم.

وإذا تأملنا دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - نجد أنه قد بدأ دعوته هذه بتذكير قومه بالنار، وحثهم على استنقاذ أنفسهم منها، وهذا دليل على أهمية هذا الجانب في الدعوة.

وقد جاءت آيات الدعوة متضمنة التحذير من النار، وأحيانًا تأتي بالجمع بين الإنذار من النار والتبشير بالجنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت