قال الثوري: (فإن لم تكن معجبا بنفسك فإياك أن تحب محمدة الناس، ومحمدته أن تحب أن يكرموك بعملك، ويروا لك به شرفا ومنزلة في صدورهم) .* وهذا هو السهم الثاني من سهام الشيطان بعد العجب، يعمل أحدهم عمله وهو يريد المكانة به. وصرعى هذا السهم كثيرون أيضًا، يأتيهم ما يأتي من جهة حب المحمدة العملية.* فمنه هذا، ومنه ما يأتي من جهة حب محمدة الناس القولية، يحربون في مدحه بلاغتهم لأغراض في نفوسهم، وهو أدرى بما بين جنبيه لو أذكر، لكنه ينسى فيغتر، ويعرض عن ناصح أمين يعلمه أدب الدنيا والدين من قريب:
يا جاهلا غرة إفراط مادحه لا يغلبن جهل من أطراك علمك بك
أثنى وقال بلا علم أحاط به ... وأنت أعلم بالمحصول من ريبك
لكنه إن لم يعرف هو منزلته فإن الفضيل بن عياض قد وضع في يدك ميزانًا تشخص به فصيلته، فقال: (إن من علامة المنافق أن يحب المدح بما ليس فيه، ويكره الذم فما فيه، ويبغض من يبصره بعيوبه) .فتراه لو مدحه أحد ينتفخ صدره في الحال، ويطرب، وتسبح الخيالات في بحار من اللذة الغامرة، فإذا جاء آخر ناصحًا له: أتقلب بسرعة إلى حالة غريبة، يضيق فيها صدره، وتتسارع أنفاسه، وينفلت لسانه بكل لفظ خشن.
إن ستر الله تعالى لكثير من زلاتنا وعيوبنا إنما هو نعمة كبرى، وكل منا أدرى بحقيقة نفسه من غيره، وما تزكيه الغير لنا إلا من شباك الاستهواء التي ينصبها الشيطان.
ولقد تأمل خالد بن صفوان في أحوال الناس فحذرك:
(أن أقوامًا غرهم ستر الله، وفتنهم حسن الثناء، فلا يغلبن جهل غير بك علمك بنفسك) .
* ومنه نوع ثالث، وهو مبادرة الناقص لمدح نفسه بلسانه، ذكره الله تعالى فقال: (فلا تزكوا أنفسكم) ، وجعله رباح القيسي سبب فساد الأعمال لما سئل:
(ما الذي أفسد على العمل أعمالهم؟
فقال: حمد النفس، ونسيان النعم).
واستدل به الشاعر على وجود المعايب فقال:
عجبا لمادح نفسه لا يهتدي لتنقص يبديه فيه مدحها
مدح الفتى عند التحدث نفسه ذكرى معايبه فيدري قبحها.