فهرس الكتاب

الصفحة 3338 من 4219

إن الكثير من عثرات السير مردها إلى أهل الشوائب الذين احتضنتهم الجماعة على سذاجة منها، وفي غفلة من نفسها.

وقديما قال ابن الجوزي صادقا:

(إنما يتعثر من لم يخلص) [1] .

وهو إن كان يعني بذلك الفرد، إلا أن للمجموعة أيضًا قلبا واحدا مشتركًا يضره مرض البضعة الصغيرة منه كما يضر مرض بعض قلب الفرد ذاك الفرد، فإذا مرض داعية برياء: تضررت جماعة الدعاة كلها بمرضه، وتعثرت ومرض قلبها، حتى يتخلص منه بتوبة، أو تتخلص منه بإبعاد.

وقبل ابن الجوزي بقليل كان الكيلاني ينادي:

(يا غلام: فقه اللسان بلا عمل القلب لا يخطيك إلى الحق خطوة. السير سير القلب) [2] .

ومعناه الجماعي كذلك أيضًا، فإن مما يخشى على الدعوات أن تطيل لسانها، فتكثر تأليف الكتب، وتتخذ لها من الصحف ميدانًا، وتتعب درجات المنابر بخطبائها، وتترك تأليف الأرواح وتربية القلوب، فتقف لا تخطو نحو التمكين خطوة، كوقفة غلام الكيلاني.

وربما كان الضرر أبلغ من ذلك، فإن التعثر يبقى السير معه مستمرًا، والوقوف يحفظ الجماعة سالمة قائمة على الأقل، لكن تلبس الجماعة كلها بالرياء قد يدفعها في طريق الاضمحلال الذي شاهده التابع الربيع بن خثيم في أعمال الآحاد فقال:

(كل ما لا يراد به وجه الله: يضمحل) [3] .

فرياء الجماعات ليس بغريب، بل شوهد في التاريخ الفكري والسياسي مرارًا، متلبسا شكلا من التكلف للاصطلاحات، ومن التبني للاجتهادات الشاذة التي ربما زل بها لسان الفقهاء الأقدمين والمحدثين، أو مندفعا في طريق التكاثر بالأعضاء على حساب النوعيات.

(1) صيد الخاطر/355.

(2) الفتح الرباني/39.

(3) طبقات ابن سعد 6/ 186.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت