فالمنازع في الرئاسة، الملحاح في نزاعه، قد ورط نفسه، وأضعف احتمالات نجاتها، وتلك خيانته لها، فكيف يرتاد لك الخير من بعد؟
فانظر ناصحك، وسائل قلبك: هل خان نفسه ثم أتاك، أم لا زال يكتال الحسنات؟
فإن كان ناصحًا لنفسه: عرضت مفاد نصيحته على أنوار الفطنة لتؤيدها أو تكشف سذاجتها. وإن كانت الأخرى: أعرضت.
وإلا، فإن الزيغة الأولى منك تجلب ثانية رغما عنك، فإنها العقوبة الربانية:
(فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ) .
وسعيد بن جبير إمام التابعين ينذرك:
(إن من ثواب الحسنة: الحسنة بعدها، وأن من عقوبة السيئة: السيئة بعدها) [1] .
فالزيغ ولود، كما أن الإحسان ولود ودود.
لابد من ذلك، حتى قال فقيه المدينة عروة بن الزبير بن العوام.
(إذا رأيت الرجل يعمل السيئة فاعلم أن لها عنده أخوات. وإذا رأيته يعمل الحسنة فاعلم أن لها عنده أخوات) [2] .
فتتوالي عثرات المصغى لخائن نفسه، حتى لقد رأينا في بعض البلاد رأي العين من طلب ذروة الرئاسة على قوم دعاة قد تراجع إلى الخلف بتدريج لما لم يحصل له مراده، فترك الأمر بالمعروف أول مرة، ثم ترك المسجد، ثم ترك نفس الصلاة واكتفى بالجمعة، ثم ترك الجمعة، ثم أفطر رمضان، ثم أصبح يغيظ في نهار رمضان من يمر أمامه من الصائمين ينفث الدخان قرب وجوههم.
أفغير العقوبة أحاطت به؟
وهذا ما يدعوك إلى أن تفقه بدايات الفتن المقبلة من النظر إلى نهايات الفتن السابقة، فإنه قل من نجا من تراجع بعد الإفتتان.
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية 10/ 11.
(2) تهذيب التهذيب 7/ 183.