فهرس الكتاب
فلعمر الله كم من حرة صارت بالغناء من البغايا، وكم من حرّ أصبح به عبداً للصبيان أو الصبايا، وكم من غيور تبدّل به اسماً قبيحاً بين البرايا، وكم من معافى تعرّض له فأمسى وقد حلّت به أنواع البلايا) (17) .
ومن أشد الوسائل فتكاً: النظر المحرم، فكم من نظرة إلى صورة جميلة ـ في السوق أو في شاشة أو مجلة ـ أعقبت فواحش وآلاماً وحسرات. قال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ: (إذا خاف الفتنة لا ينظر، كم نظرة قد ألقت في قلب صاحبها البلابل) (18) .
يقول ابن الجوزي محذراً من إطلاق البصر: (اعلم ـ وفقك الله ـ أن البصر صاحب خبر القلب ينقل إليه أخبار المبصرات، وينقش فيه صورها فيجول فيها الفكر، فيشغله ذلك عن الفكر فيما ينفعه من أمر الآخرة. ولما كان إطلاق البصر سبباً لوقوع الهوى في القلب، أمرك الشارع بغضّ البصر عما يُخاف عواقبه. قال الله ـ تعالى ـ:(( قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ) ) [النور: 30] . (( وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ) ) [النور: 31] . ثم أشار إلى مُسبب هذا السبب، ونبّه على ما يؤول إليه هذا الشر بقوله: (( وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ) ) [النور: 30] ، (( وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ) ) [النور: 31] ) (19) .
وقد تحدث شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عن النظر المحرم وما يؤول إليه من الوقوع في الفواحش .. بل وقد ينتهي بصاحبه إلى الشرك بالله ـ تعالى ـ فكان مما قاله: (وأما النظر والمباشرة فاللمم منها مغفور باجتناب الكبائر، فإن أصر على النظر أو على المباشرة صار كبيرة، وقد يكون الإصرار على ذلك أعظم من قليل الفواحش؛ فإن دوام النظر بالشهوة وما يتصل به من العشق والمعاشرة والمباشرة أعظم بكثير من فساد زنا لا إصرار عليه؛ ولهذا قال الفقهاء في الشاهد العدل: أن لا يأتي كبيرة، ولا يصر على صغيرة.