41 -عدة الداعي .. الصبر والتحمل:
من المعلوم أن إسداء النصيحة والصبر على الأذى في سبيلها هو أعظم معين ـ بعد الله تعالى ـ في تبليغ دينه وإعلاء كلمته، وأنه لا حظَّ في النصيحة لمن لا يتحمل الأذى الناجم عن قيامه بأدائها، واستمع لقوله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) (المدثر:1 - 7) . قال ابن كثير رحمه الله تعالى (قُمْ فَأَنْذِرْ) أي شمّر عن ساق العزم وأنذر الناس. وقال مجاهد رحمه الله: (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) أي اجعل صبرك على أذاهم لوجه ربك عز وجل. وقال سبحانه: (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (العنكبوت:1 - 3) وقال تعالى: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ) (الأحقاف: من الآية35) .
وقال تعالى عن مواقف بعض الرسل صلوات الله وسلامه عليهم إذ قالوا لأقوامهم لما آذوهم: (وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) (إبراهيم:12) .
فحري بنا أن نصبر في دعوتنا ونتبصر في حال ودعوة الرسل عليهم السلام، لاسيما دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لقومه، أُخرج من داره من مكة، رجم بالحجارة في الطائف حتى سال دمه، وهاجر إلى المدينة فارًا بدعوته، جاهد حتى كسرت رباعيته، وشج وجهه، وكان يؤذى في صلاته وهو بمكة قبل الهجرة، ويوضع السلى على ظهره أثناء ركوعه وسجوده، وما زاده ذلك إلا إصرارًا وعزمًا وثباتًا وصبرًا. قُذف عرضه وما ذلك والله إلا من أجل دعوته، فلولا تلك الدعوة لما أخرج ولما حورب، ولما قُذف عرضه، ولم ترده حادثة الإفك ولا غيرها عن دعوته، بل زادته صبرًا ويقينًا وثباتًا، وهذا هو حال كل نبي وكل عالِم رباني وكل داعية إلى الله آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر ناصحًا للأمة.
قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) (الفرقان:31) ، وقال تعالى: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) (النحل:127) . فبالتقى والثبات والصبر يحصل الفلاح والنصر، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (النحل:128) ، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران:200) ، وقال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة:24) .