كنا نقول في السنوات السابقة: إن المسلمين لا ينقصهم الإخلاص، وإنما جاء الضعف والتقصير من جانب قلة الصواب ومعرفة سنن الله في التغيير، وهذا الكلام - بمجمله - مازال صحيحاً، ولكن عند التدقيق سوف نجد أن الإخلاص أيضاً تشوبه شوائب، ويحول حوله حوائل، من أعظمها حب الرئاسة، هذا الداء العضال الذي أهلك الناس قديماً وحديثاً، حتى قيل إنه آخر داء يخرج من قلوب العلماء، فكيف بالدهماء وأصحاب الأهواء و (مجانين الزعامة) .
وهذا الداء وإن كان غريزة في جميع البشر، إلا أنه قد يكون أظهر وأوضح في بعض الشعوب والعرب حظهم وافر منه، إلا إذا هذبهم الإسلام وردهم إلى الاعتدال والجادة المستقيمة، وقد فعل ذلك في الرعيل الأول فظهر أمثال أبي عبيدة ابن الجراح أمين الأمة، والذي لا يهمه إن كان أميراً أو مأجوراً وقد مدح الرسول - صلى الله عليه وسلم - ذاك المؤمن في قوله: «طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع له» [1] ولذلك قال العلماء: (ما صد عن الله مثل طلب الرفعة، ولا يفلح من شُمت رائحة الرياسة منه) .
وإذا كان الله - سبحانه وتعالى - يعطي من هذه الدنيا المؤمن والكافر، وذلك لهوانها ومنزلتها عنده، ولكنه - سبحانه - أغير من أن يتم أمره بالتمكين لهذا الدين في الأرض على يد أناس عندهم شوب في الإخلاص، ويحبون الرئاسة والاستعلاء في الأرض، فكيف إذا كانوا مشعبذين يتخذون الدين مطية للدنيا، يبيعون دينهم بعرض قليل، ويسخرون كل شيء لأهوائهم ومطامعهم، فهؤلاء أبعد وأبعد عن التمكين، لأنه أمر الله ولا يعطيه إلا لمن أحب.