وفي الآيات السالفة الذكر يبين الله - عز وجل - أن أحب عباد الله إلى الله قولا الذين يدعون إلى الله على بصيرة وبينة من أمرهم، ولا يكون الداعية على بينة من أمره ما لم يتبع النهج السليم في الدعوة، وهو النهج الذي اختطه السلف الصالح من تزود بالعلم والحلم والصبر، وامتثال وقدوة وتحمل واحتساب في سبيل تبليغ دعوة الله إلى عباد الله في كل مكان.
وشرط في المبلغ شرطا أساسيا لا حيدة عنه ولا يصلح عمل الدعوة بدونه، ألا وهو العمل الصالح، القدوة الحسنة و التأسي بالصالحين ابتغاء رضوان رب العالمين، لا ابتغاء عرض من حطام الدنيا، بل إحسانا منه ليبلغ درجة الإحسان عند رب العالمين.
ويذكر المولى - عز وجل - الدعاة بقاعدة حقيقية وهي أساس في طريق الدعوة: ليست الحسنة والسيئة عند الله وعند الناس سواء، فإذا كانت هذه الحقيقة مستقرة في أذهاننا، فلماذا نترك الحسنة ونقبل على السيئة؟ فهذا ليس شأن العقلاء. بل على الدعاة المخلصين أن يجيدوا فن استعمال هذه القاعدة العظيمة (( ادفع بالتي هي أحسن ) ). قال بعض المفسرين: ادفع من أساء إليك بالإحسان إليه حتى ينقلب عداؤه صداقة ومحبة.
والأمثلة في ذلك من حياة المصطفى كثيرة جدا، وأكثر من واحد جاء ليقتله فخرج من عنده مسلما مؤمنا وهو من أحب الناس إليه، وما ذلك إلا من حسن قوله له ولين كلامه ومخاطبته، فانقلب هؤلاء من عنده أولياء لله ورسوله أصدقاء أحباء لأهل الإسلام.
ولا يستطيع إنسان ما أن يمنح الناس هذا الخير العظيم، وهم يوقعون فيه الشر والأذى، من غير أن يتحمل ويصبر ويحتسب، فالصابر الذي رسم لنفسه طريق الوصول إلى غايته في مضمار الدعوة إلى الله، هو من وضحت لديه فكرة الجزاء الأخروي وتصور ما ينتظره من نعيم مقيم أعده الله للصابرين المحتسبين أصحاب الحظ العظيم.