نسيت وصية أبي .. أو قل: لم أكن أفهمها. وذهبت إلى الكنيسة، فقد كانت أمي كاثوليكية متدينة، وما كنت أقتنع بكثير مما أسمعه أو أراه هناك .. فلما كبرت كنت أتفلت من قيود الكنيسة، واشتغلت بالتجارة، فانفتحت على الدنيا، فازدادت غفلتي وبعدي عن التفكير في الأديان جميعها.
حتى جاء اليوم الذي سافرت فيه إلى جزيرة (جاميكا) لغرض التجارة، كنت أسير في أحد شوارع العاصمة، وفجأة .. سمعت صوتا رخيما متخشعا ينادي بالأذان، ما كنت أعرف ماذا يقول، ولكني تذكرت والدي، تذكرته وهو يشدني على صدره، والدموع تملأ عينيه، ويقول لي: (أنت مسلم .. أليس كذلك؟!) وكأنه يستعطفني أو يستجديني، أحسست برعدة شديدة تسري في حسدي، لا أدري لماذا اقترن الإسلام عندي بالأذان، فما كنت أعرف عنهما شيئا. وأخذت أرتجف، حتى انفجرت بالبكاء .. مشاعر كثيرة اختلطت في ذهني، وكأني وجدت شيئا عزيزًا على نفسي طالما افتقدته .. بكيت، وبكيت .. وما كنت أبالي بنظرات المارة الذين ينظرون إلي ويتعجبون.
ذهبت أبحث عن مصدر الصوت، حتى دلوني على المسجد، فوجدت المؤذن رجلا كبيرًا أميا لا يعرف شيئا كثيرًا عن الإسلام، فعاجلته بالسؤال بعد السؤال، لكنه لم يشف غليلي، وإنما دلني على مكتبة المسجد، فما وجدت فيها شيئا أقرؤه إلا ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الإنجليزية .. فأخذت أقرأ بنهم شديد حتى وقفت على قول الله تعالى:) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (المائدة:73) .. فأحسست بهزة عنيفة أيقظتني من سبات عميق، وما بت تلك الليلة إلا وأنا أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ..