وداعية ليست فيه هذه الروح، إنما مثل ما يقدمه كجنين استكمل خلقه. آية لله في الجمال، ولكنه سِقط لا روح فيه!! فما مصيره بعد تقليب الأيادي له إلا أن يوارى في التراب ثم ينسى، أو وينسى. فأي قلب يقبل الميتة؟
قال - تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [سورة الشورى 52] .
قال الزمخشري: يريد: ما أوحى إليه؛ لأن الخلق يحيون به في دينهم كما يحيى الجسد بالروح. (الكشاف 4/ 227) . ويقول الأستاذ سيد قطب: (( روحاً من أمرنا ) ).. فيه حياة، يبث الحياة ويدفعها ويحركها وينميها في القلوب وفي الواقع العملي المشهود. (الظلال 5/ 3171) .
وهذه الروح لها تأثير الغيث على الأرض المستعدة للاستفادة والإفادة، وهذا ما عناه مالك بن دينار - رحمه الله - فقد كان يخاطب أهل القرآن فيقول: (يا أهل القرآن، ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ فإن القرآن ربيع القلوب كما أن الغيث ربيع الأرض) . -تفسير القرطبي 16/ 37 - وقد جاء في الحديث المتفق على صحته ما يؤكد هذا المعنى، فقد قال - صلى الله عليه وسلم: مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً فكانت منها طائفة طيبة: قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب: أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا .. الحديث متفق عليه.
إن النائحة الثكلى ليست كالنائحة المستأجرة، والسلاح بضاربه لا بحده، والتبر إنما غلا بعد صياغته، ومروره بنار الفتان، والشجرة التي تزرعها في القلوب، قوَّتها في ثباتها، ونتاجها في ثمارها، وحنانها في ظلها، واستعلاؤها في سموها، لا تعمل بها الريح إلا أن تنكفئ بحكمة ثم تعود وتعاود.