وما الحياة وساحاتها وتعدد الصيحات والهتافات فيها، إلا كسوق كبير مترامي الأطراف، يقصده الناس بحسب مقاصدهم؛ فيه التاجر الأمين الذي يريد الكسب والخير للناس، وفيه الباحث عن سلعة له ولآل بيته، وفيه من يريد الشراء لأيتام يعولهم، أو محتاجين يعينهم، وفيه النصّاب الذي يقتات من الحلف الكاذب، وفيه الغشاش المزور، وكذا تجد في سوق الدنيا مَن يحبه كل أهل السوق، ومن هو البعيد الجافي ..
كذا تعامل الناس في الحياة مع سلعهم وأهدافهم؛ كلٌ له مأرب يسعى له، ويبرز العفيف الطاهر، الذي يترفع عن وسخ الدنيا كأنما يرفع ثوبه؛ كي لا يتلوث بما سقط في سوق الناس وعفن البضائع، الجميل الطلعة المبتسم الثغر، الذي يقصده كل محتاج ويحبه كل شريف.
فهو يعلم يقينا أين تعقد الصفقات الناجحة وما هي مواصفاتها، ولن يدخل إلا في تجارة رابحة؛ إذ هو المؤمن العفيف، ويناديه ربه - سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 10 ـ 12] .