فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزَّى ابن عم خديجة وكان امرءًا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ماشاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي فقالت له خديجة: يا ابن عمِّ اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزَّل الله على موسى، ياليتني فيها جَذَعًا، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أو مخرجيَّ هم؟ قال نعم، لم يأت رجل قط بمثل ماجئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا. ثم لم ينشب ورقة أن تُوفي، وفتر الوحي (3) .
لقد كانت الأرض كلها تعيش في ذلك الزمن في ظلمات الجاهلية، فكانت بداية انطلاق النور الإلهي في تلك اللحظة التي خاطب بها جبريل - عليه السلام - رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ولقد حل ذلك النور في قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى تحول إلى مصباح متحرك يضيء لمن حوله، وأصبح يراه من زالت عن عينيه الغشاوة فينجذب إليه ويترقى بهديه نحو الكمال.
لقد كان وقع نزول الوحي شديدًا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما هو واضح من هذا النص على الرغم من أنه كان أشجع الناس وأقواهم قلبًا كما دلت على ذلك الأحداث خلال ثلاث وعشرين سنة، وذلك لأن الأمر ليس مخاطبة بشر لبشر ولكنه كان مخاطبة عظيم الملائكة وهو يحمل كلام الله - تعالى -ليستقبله من اصطفاه الله - جل وعلا - لحمل هذا الكلام وإبلاغه لعامة البشر.
ولقد كان موقفًا رهيبًا ومسؤولية عظمى لا يقوى عليها إلا من اختاره الله- تبارك وتعالى- لحمل هذه الرسالة وتبليغها.