فهرس الكتاب

الصفحة 1863 من 4219

تلك الغزوة المباركة ... التي لم تكن متكأفئة في العتاد والعدة، ولكن النفوس كانت كباراً، والأماني تجاوزت حدود الدنيا الفانية لتستقر في جنات النعيم ... فهان كل شيء في سبيل الله.

جعفر - رضي الله عنه - يستعد للقيادة ... وهاهو يرى زيد بن حارثة - رضي الله عنه - يقضي نحبه ... ويسقط مضرجاً بدمائه الطاهرة .. والغبار منعقد فوق رؤوس المقاتلين بين كرّ وفر، ولا يُسمع إلا صوت صهيل الخيول و سليل السيوف فكفى بها فتنة ... أشلاء ممزقة ودماء تسيل فيا لهول المعركة.

عندها تقدم البطل يترنم بإرجوزته الرائعة:

يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها

والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها

عليّ إن لاقيتها ضرابها

يتقدم البطل ليذود عن حياض الإسلام وهو يواجه أعداداً من علوج الكفر فتقطع يداه ولا يتخلى عن الراية .. يضمها بعضديه وكأنه يضم حورية من الجنة قد فاح ريحها في ساحة المعركة، ويموت البطل شهيداً في سبيل الله فيكرمه الله بجناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء.

ترى ما هو السبب في خروج هذه النماذج الفريدة التي لم تكتحل عيني الدنيا بمثلها؟

إنه الأسلوب النبوي الكريم في التربية والدعوة .. ومن هذه الأساليب التشويق في الجنة ...

أيها الكرام إن التأميل في الجنة هي بضاعة الأنبياء الرابحة التي لا تكسد ولا تبور.

فالرسول - صلى الله عليه وسلم - حينما دعا الناس إلى الإسلام لم يمنيهم بالأموال والدور والقصور ... إنما قال للصحابة لكم الجنة، فقالوا والله لا نقيل ولا نستقيل.

وقس على ذلك وانهل من معين السيرة العطرة ليتبين لك المنهج النبوي المبارك. لقد كان من كلام المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في التشويق والتثبيت:

-صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة.

-ربح البيع أبا يحيى.

-والله لا يقاتلهم اليوم الرجل مقبلاً غير مدبر فيقتل إلا دخل الجنة.

فكان من أتباعه من يقول:

-فزت ورب الكعبة (حين طعن) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت