وهذا فهم فيه شيءٌ من الصحة، ولكن لا يعني بالضرورة الجود بالوقت كله للآخرين وإهمال النفس؛ لأن النفس الجزء الأكبر من الجود بشغلها بالطاعات والقربات لتطهر ولتتزكى، وخصوصاً أنها هي مصدر الجود الذي يراد بذله للآخرين.
ومن هذه النصوص:
2 - «إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين» (1) .
حيث يفهم بعضنا من هذا النص أن نفوس الناس يحصل لها من التهيؤ لتقبل الخير في رمضان ما لا يحصل في غيره؛ وذلك لأن الشياطين تُصفد فلا تخلص إلى ما كانت تخلص إليه في غير رمضان.
وهذه بالطبع فرصة سانحة لزيادة التأثير على الناس وترقيق قلوبهم وربطها بالله - تعالى -.
وهذا فهم صائب، ولكن الخطأ عدم الموازنة بين الأمور وعدم تقديم الأولويات؛ فالنفس هي أحق من تُقتنص لها الفرص لتعبيدها وتذليلها وتعويدها على جوانب العبادة المختلفة.
ثانياً: نسيان كثير من المصلحين أن النفوس العاجزة عن التأثير في ذاتها وقصرها على جوانب العبادة المختلفة ستكون أشد عجزاً عن التأثير في الآخرين وغرس المبادئ والقيم الخيّرة في نفوسهم، وهذا هو مضمون العبارة التي تقول: «فاقد الشيء لا يعطيه» .
-إذ كيف يوصل الإيمان للقلوب ويعلقها بالله قلب مقطوع عن الله؟
-وكيف يرقق القلوب ويغذيها بالخوف والخشية قلب قاسٍ لم يتمرغ في طاعة الله، ولم تدمع عين صاحبه من خشية الله، ولم تتغذَّ روحه بالصلاة والقيام وتلاوة القرآن؟
ثالثاً: الغفلة عن حال نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو أعظم الدعاة، وعن حال السلف الصالح.
-فهذا رسولنا - صلى الله عليه وسلم: «كان ينزل عليه جبريل في رمضان كل ليلة فيعارضه القرآن» (2) ، متفق عليه بلفظ «فيدارسه القرآن» .
-وكان - صلى الله عليه وسلم - «إذا دخل العشر أحيا ليله، وأيقظ أهله، وشدَّ المئزر» (3) .
-يقول ابن القيم: «وكان هديه - صلى الله عليه وسلم - في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادات» .