فهرس الكتاب

الصفحة 2135 من 4219

ومن الدروس المستفادة من السيرة النبوية أن الله - سبحانه وتعالى - بعث أكرم خلقه من بيئة لا هي بالحضرية المدنية المغرقة في الترف وفنون النعيم والملذات، ولا هي بالبدوية الجافية البعيدة عن التمدن والعمل المشترك، فالأسر القرشية لم تصل بعد إلى تعقيدات المدنية، ولم تأسرها الشكليات والمظاهر، ولا يزال شباب قريش يألفون الخشونة والفروسية، رغم عيشهم في بيئة تجارية مبتعدين عن خلق المذلة والمراوغة التي يألفها من استحكمت فيه عوائد الترف، أو عاش تحت قهر الاستبداد والبحث عن لقمة العيش في بيئة مادية لا رحمة فيها ولا شفقة.

ولا نعني من هذا أنه لا بد من العيش في قرى أو مدن صغيرة -كمكة عند البعثة-، فهذه سطحية في التفكير وسذاجة، ولكن المقصود هو: العيش في أجواء الفطرة السليمة، أجواء التخفف من القيود التي تكبل المسلم عن الانطلاق في دعوته، هذه القيود التي لم يأت بها شرع ولا حكم بها عقل، ولكن دواعي الانحطاط هي التي تهتف بها.

فالدعوة لا يتم أمرها ولا يقوى عودها إلا برجال تعودوا الخشونة، تتجافى جنوبهم عن الانغماس في النعيم، كلما سمعوا هيعة طاروا إليها.

والرجل الذي عاش حياته راضياً بالقليل، بل خائفاً من ذهاب هذا القليل، عاش يسمع وصايا والدته تحذره وتخوفه من أي عمل عدا العمل الذي سيعيش منه، هذا الرجل قد انغرس في نفسه الضعف، وأصبح بعيداً جداً عن المغامرة وركوب المصاعب، فهو دائماً يخاف من المجهول، يخاف من المستقبل، يفكر دائماً في الاحتياطات اللازمة لتدبير (العيش) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت