فهرس الكتاب
ومن أثقل الآيات القرآنية، وأعمقها دلالة على الموقع الوجودي للإنسان من الخلق قوله - تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الإنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا (1) إنَّا خَلَقْنَا الإنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إمَّا شَاكِرًا وَإمَّا كَفُورًا (3) إنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيرًا (4) إنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَاسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا} [الإنسان: 1 - 5] . إن «قضية الخلق» تمثل مفتاح فهم الربوبية، والمعنى الوجودي والوظيفي للإنسان. ولولا خشية الإطالة لبينت لك من خلال كل سور القرآن بدون استثناء أنها المبدأ الكلي الذي على أساسه خاطب الله الإنسان بكل أمر ونهي، بل إنها تمثل البنية الأساس لخطابه الذي عليه يتفرع كل شيء، مما قرره في العقيدة والشريعة على السواء.
أي ظلام أشد من التصور العبثي للحياة:
إن هذا الحق بقدر ما هو متعلق بذمة الإنسان لربه الذي خلقه، فإنه يستفيد منه معنى عظيماً لوجوده. إن إحساسه بوجوب هذا الحق عليه يخرجه من التيه الوجودي الذي ضاعت فيه أفكار الكفار من العالمين. أو بعبارة قرآنية: يخرجه {مِِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ} [البقرة: 257] . وأي ظلام أشد من التصور العبثي للحياة! أو كما قالوا: «إن هي إلا أرحام تدفع، وأرض تبلع!» فبأي نفسية يعيش الإنسان هذه الحياة، وهو يرى أنما غايتها إلى العدم المطلق والفناء الرهيب الذي ما بعده من حياة؟ فأي لذة يجدها في متعها وهو يعتقد أنها إلى زوال قريب؟ ذلك ما يقوده غالباً إلى الشره المتوحش في تناولها، أو إلى العزوف القَلِق ثم الانتحار! ألا ما أشد وحشة الكفر والضلال! فالحمد لله الذي عافانا مما ابتلي به آخرون.