فهرس الكتاب

الصفحة 2327 من 4219

"الآيات ليقطع الطريق على ذلك التصور بصورة حاسمة، وقد فهم تلك المعني جيدا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وعمل به في أشد المواقف حلكة فقد هاجر هو وجماعة من المسلمين إلى الحبشة عند ملكها النجاشي وكان نصرانيا وقد أرسلت قريش في أثرهم عمرو بن العاص ليردهم من عند النجاشي وحاول عمرو أن يقدم المسوغ الذي يجعل النجاشي يسلم له جعفرا ومن معه فقال له: أنهم يقولون في عيسى قولا عظيما وذلك أن النصارى ترى عيسى عليه السلام إلها أو ابن إله بينما المسيح في العقيدة الإسلامية هو بشر رسول من عند الله تعالى مثله مثل إخوانه الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فلما مثل جعفر بين يدي النجاشي وسألهم عما يقولون في عيسى عليه السلام لم يداهن ولم يحاول أن يتلفظ بألفاظ أو كلمات توافق في ظاهرها اعتقاد النصارى بل أجمع على الصدق وعدم المداهنة في الدين وقال نقول فيه الذي جاءنا به نبينا هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم البتول العذراء فأخذ النجاشي عودا من الأرض وقال والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، ولو حاول جعفر رضي الله عنه أن يداهن لانقلب الأمر عليه وعلى أصحابه ذلك أن اعتقاد النجاشي في عيسى كان اعتقادا صحيحا، فعند الشدائد والأهوال قد يميل الداعية إلى المداهنة ويتلفظ بألفاظ فيها نوع من الترضية لأهل الضلال وإن كان هو يقصد بها في نفسه معاني صحيحة لكن ليست العبرة بما في نفسه هو وإنما بما يفهم الناس من كلامه فلو كان الناس لا يفهمون من ذلك إلا ما يؤيد أهل الضلالة لم تكن تورية الداعية قد حققت إلا تأييد الباطل، وهذا بخلاف ما إذا كان يوري على الأعداء في الحرب أو القتال كما فعل محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه عندما كان يخطط لقتل رجل من اليهود المحاربين وقال له عن رسول الله -وهو يوري- هذا الرجل قد عنانا، وبخلاف ما يقوله الأسير عندما يقع في أيدي الأعداء وكذلك الذي يكره على كلمة الكفر فإن هذا ونحوه"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت