فهرس الكتاب
ولشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - كلام نفيس في ذلك عما ينبغي على العالم أن يقوم من البيان والتبليغ، فيقول - رحمه الله تعالى: (فالعالم في البيان والبلاغ كذلك؛ قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التمكن كما أخر الله - سبحانه -إنزال آيات وبيان أحكام إلى وقت تمكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسليماً إلى بيانها؛ يبين حقيقة الحال في هذا أن الله يقول: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15] ، والحجة على العباد إنما تقوم بشيئين: بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله، والقدرة على العمل به. فأما العاجز عن العلم كالمجنون أو العاجز عن العمل فلا أمر عليه ولا نهي، وإذا انقطع العلم ببعض الدين أو حصل العجز عن بعضه: كان ذلك في حق العاجز عن العلم أو العمل بقوله كمن انقطع عن العلم بجميع الدين أو عجز عن جميعه كالجنون مثلاً؛ وهذه أوقات الفترات؛ فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما كان بيانه لما جاء به الرسول شيئاً فشيئاً بمنزلة بيان الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما بعث به شيئاً فشيئاً؛ ومعلوم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، ولم تأت الشريعة جملة. كما يقال: إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع. فكذلك المجدد لدينه والمحيي لسنته لا يبلغ(2) إلا ما أمكن علمه والعمل به؛ كما أن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يُلقّن جميع شرائعه ويؤمر بها كلها. وكذلك التائب من الذنوب؛ والمتعلم والمسترشد لا يمكن في أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين ويذكر له جميع العلم؛ فإنه لا يطيق ذلك وإذا لم يطقه لم يكن واجباً عليه في هذه الحال، وإذا لم يكن واجباً لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه جميعه ابتداء، بل يعفو عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان؛ كما عفا الرسول عما عفا عنه إلى وقت بيانه.