ولكن ماذا عن الجانب الحضاري في تاريخنا الإسلامي وهو مساوٍ للتاريخ السياسي ومتفوق عليه، لماذا لا نبرزه حتى تكتمل الصورة أولاً؟ وحتى يكون المثال والقدوة؟ هذه المساجد العظيمة من بناها، والمدارس والمستشفيات والأوقاف الكثيرة المتنوعة، التي كانت تقدم الخير للناس للكبار والصغار، بل حتى للحيوانات العاجزة والكبيرة في السن، كان هذا في مدننا الإسلامية في دمشق وقرطبة وبغداد والقاهرة في القرن السابع الهجري كان في دمشق مئة مدرسة، منها اثنتان للطب، وواحدة للهندسة، وفي القدس أربع وأربعون مدرسة، وفي بغداد - رغم سقوطها بيد المغول - أربعون مدرسة، وكان فيها المدرسة المستنصرية، التي كانت جامعة فيها مدرسة للطب وأروقة لدراسة المذاهب الأربعة، ومساكن وحمام ومستشفى، وكان في القاهرة خمسون مدرسة، وكل هذه المدارس كانت بجهود أفراد أو أوقاف، آلاف الكتب في شتى فنون المعرفة قام بها علماء مرموقون لخدمة العلم لم ينتظروا أجراً مادياً، ولكن ذكرهم استمر في شتى العصور، آلاف العمال المهرة الذين بنوا وشيدوا وصنعوا كل ما تحتاجه الأمة في عصرهم، وكانت لهم مؤسساتهم التي تجمعهم وتحميهم، هؤلاء جميعاً هم الذين أعطوا للحضارة الإسلامية طابعها المونق، وإن ظلوا بعيدين عن الشهرة، بل ربما لا يذكرهم التاريخ.