فهرس الكتاب
فبسبب تورط المجموعات المسلحة في الأوساط الإسلامية المحلية، بشكل مباشر أو غير مباشر، تبدو البلد مؤخراً وكأنها تشكك في أوضاعها السابقة وتتراجع عن بعضها، وعلى هذا الأساس انطلقت موجات تطوير الخطاب الديني ومحاربة أحادية الرأي وتغيير مناهج التعليم وإشاعة روح المحبة والتسامح والترويج لثقافة الحياة بدل ثقافة الموت وللمنهج الجلي بدل المنهج الخفي وبلورة استراتيجية ثقافية وطنية جديدة ( ... !!) . في ظل كل هذه الشعارات البراقة الخدّاعة يتم اليوم إلقاء اللائمة في ذلك كله - جزافاً- على التشدد الديني الذي"ابتدعته"الدعوة الإسلامية المعاصرة وجلبته إلينا من الخارج ( ... !!) ، كما يتردد بشكل ممجوج في وسائل الإعلام المحلية، فيدخل البلد بذلك في طور جديد، يجد فيه العديد من المتربصين السابقين فرصة للتصريح والمطالبة العلنية بالتعددية المذهبية والفكرية والثقافية وبالحرية الاجتماعية.
واللافت للنظر في كل هذه التحولات والشعارات، أنها تقتصر على مراجعة واسعة وشاملة للصبغة الدينية للبلد، وتحويلها من التشدد إلى التيسير والتسامح ومن الأحادية إلى التعدد، في نفس الوقت الذي يحرم فيه ويجرم أي مخالفة أو أي تعددية في الرأي حول أداء أو قرارات وخطوات الحكومة، وهذا تعسف واختزال وانفعال في التعامل مع البعد الديني لأي مجتمعٍ كان، وفي هذه البلد تحديداً، ولا يمكن أن تأتي الحلول المتعجلة والمفروضة قسراً في المسألة الدينية إلا بنتائج عكسية، حتى وإن كان صاحب القرار مقتنعاً بخطأ و تشدد الأحوال الدينية السابقة وحاجتها للتغيير، وحاجته هو للتوقف عن مجاملة هذه الأحوال.
فمعالجة بذور التطرف والغلو لا تأتي من خلال لعبة التوازنات السياسية المعروفة، ولا عبر تقليص نفوذ وفرص الأغلبية بتوسيع فرص الأقليات، وخصوصاً إذا كانت هذه التحولات التعددية والانفتاح الاجتماعي يأتيان بصورة مفاجئة، وفي ظل استمرار للتشدد والانغلاق السياسي.