وحدث أن سمح للدنيا أن تدخل قلبه؛ ظانًا أنها ستدخل لدقائق ثم ترحل، ولكنها سرعان ما أذاقته بردها، ونفضت غبار الجهاد عنه، فاستسلم لها!! فأمدَّته بالمال فازداد استسلامًا، وأراحته من بعض هموم دعوته فمنحها أكثر وأكثر من الاهتمام بها والانزلاق في وحلها.
فقدتُه زمنًا!!
أبحث عنه في صلاة الفجر فلا أجده .. !!
أتفقده في جلسات الإخوان فأفقده .. !!
وأحاول أن أستحضر صورته في ورد الرابطة فتهرب مني .. !!
إلى أن رأيته ذات يوم، لكن بهيئة غير الهيئة .. فلا نور يكسو الوجه كما كان، ولا ذكرَ لله- على مدار ساعة جلسناها- عطَّر جلستنا، وهو الذي كان يوقظني بهاتفه في الثلث الأخير من الليل بصوتٍ فيه بقية دموع، قائلاً: يا أخي .. دقائق الليل غالية فلا تضيعها في الغفلة.
المهم رثيت لحاله، وقلت له: متى نظرت في المرآة لآخر مرة؟
فقال اليوم صباحًا، فقلت ليس مرآةَ حجرةِ النوم أعني!! ولكن مرآة الدعوة، أي متى عرضت نفسك على صورتك الأولى التي تعرفها آخر مرة؟! فسكت، وطأطأ رأسه، وهمَّ أن يقوم، فأمسكت بذراعه وأجلسته، وقلت له: أخَجَلاً من حالك أم رفضًا لما أقول؟!
فبكى بكاءً ذكَّرني بعينيه اللتين كانتا دائمة اللمعان من كثرة البكاء من خشية الله، ثم قال: تخيَّل أنك أول أخٍ يهز قلبي هذه الهزة العنيفة، تخيَّل أنني كدت أموت وإخواني يرونني على هذه الحال ولا يصرخون فيَّ؛ لينقذوني من الغرق والهلاك.
ثم علا صوت بكائه، وهو يقول: آهٍ وألفُ آهٍ على إخوانٍ مثلي؛ استهوتهم الشياطين وشغلتهم الدنيا، ولم يصرخ في آذان قلوبهم أحدٌ .. حتى إخوانهم الذين كانوا يعدونهم للضراء قبل السراء، ثم ارتمى في حضني فبكى وأبكاني، ثم احتضنني بشدة وكأنه يتمسك بي ويتعلق من شيءٍ يجذبه بشدة، أحسبها الدنيا التي كادت أن تقتله، فازددتُ لهفةً عليه واحتضانًا حتى هدأَ روعه وسكنت ارتعاشة جسده.