لذلك بل حاول في اتجاه آخر وهو الخروج بالدعوة من الحصار الذي فرض عليها فقام برحلته المشهورة إلى الطائف على رجليه والتي تبعد عن مكة قرابة ثمانين كيلو متر كل ذلك في سبيل أن يكسر الطوق المضروب حول الدعوة وهو ما يعني أن المسلم لا يجوز له أن يتضعضع أمام الواقع ويستسلم له ولا يبحث عن مخارج أخرى بل عليه السعي والبحث وكلما لاح له بارق أمل فعليه أن يسلك السبيل إليه مهما كان في ذلك من مشقة، ولما بلغ الطغيان بالمشركين مبلغا عظيما يفوق قدرة بعض المسلمين أذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى الحبشة وبقي هو ومن يمكنه البقاء من المسلمين في مكة يواصلون مهمة الدعوة إلى الله إلى أن طفح الكيل بالكفار ولم يعودوا قادرين على تحمل بقاء الرسول صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم عزموا على قتله ووضعوا الخطة لذلك وشرعوا في تنفيذها، عندها لم يعد البقاء في مكة والحالة هذه يرجى منه تحقيق نفع للدعوة وأصبح البقاء في هذه الحالة من قبيل الإلقاء باليد إلى التهلكة أو من قبيل تقديم حب الأوطان والديار على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله وكلا الأمرين ممنوع في دين الله فقد قال الله تعالى:"ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة"كما قال تعالى:"قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين"وهذا يبين لنا جانبا من سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم في عدم التمسك بالأرض والتقيد بالوطن على حساب الدعوة، وإذا نظرنا نظرة إجمالية في ذلك فسنجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم ظل يدعو في مكة ثلاث عشرة سنة ولم يترك مكة مع أول صدود أهلها أو مع تأخرهم وإبطائهم في الاستجابة ما يبين أن من السياسة الشرعية في الدعوة ألا يستعجل الداعية إيمان الناس واهتدائهم بل عليه أن يبذل وأن يقدم ما