وفي غزوة الخندق جاء نعيم بن مسعود الغطفاني (وكانت غطفان من القبائل التي انضمت إلى قريش للقضاء على المسلمين) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره أنه أسلم ولا يعلم قومه، وطلب منه أن يأمره بما يشاء، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنما أنت رجل واحد، فخذل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة) ،
فقام نعيم بمهمته خير قيام، ونجح في التفريق بين القوى الثلاث التي تجمعت لقتال المسلمين (قريش، والقبائل العربية ومنها قبيلته غطفان، ويهود بني قريظة) ، وكان مما ساعد على نجاح مهمته مراعاة الأمن والسرية، لقد كتم النبي صلى الله عليه وسلم إسلام نعيم، وكتم نعيم إسلامه، فلم يعرف قومه ولا بنو قريظة ولا قريش عن إسلامه شيئا، فلو لم يطبق الرسول صلى الله عليه وسلم مبدأ السرية والأمن، ولو لم يطبقه نعيم، فهل كان بإمكان نعيم أن يقوم بهذا الدور الحاسم في تفرقة صفوف الأحزاب ونزع الثقة من نفوسهم ..
وقد ابتكر الرسول صلى الله عليه وسلم (الرسالة المكتومة) مراعاة للسِّرِّية والأمن، وحرمان أعداء المسلمين من الحصول على المعلومات التي تفيدهم عن تحركات المسلمين وأهدافهم، فقد بعث صلوات الله وسلامه عليه سَرِيَّة من المهاجرين، قوامها اثنا عشر رجلا بقيادة عبد الله بن جحش الأسدي في مهمة استطلاعية في شهر رجب من السنة الثانية للهجرة، وسلمه رسالة (مكتومة) تحتوي على تفاصيل المهمة من حيث الهدف منها ومكانها وغير ذلك من التعليمات، وأمره ألا يفتحها إلا بعد أن يسير يومين.
وتعتبر غزوة فتح مكة من أروع الأمثلة التاريخية في مجال السرية والأمن والكتمان، إن أقرب المقربين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو صاحبه أبو بكر الصديق، أول من أمن به، كما أن عائشة بنت الصديق أبي بكر كانت أحب نسائه إليه