فهرس الكتاب
ومن أحرج الوجوه في صلاة الخوف ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: «غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قِبَلَ نَجْدٍ، فوازينا العدو، فصاففنا لهم، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي لنا، فقامت طائفة معه تصلي، وأقبلت طائفة على العدو،، وركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمن معه، وسجد سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل، فجاؤوا فركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهم ركعة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فقام كل واحد منهم، فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين» (2) . ومن ذلك ما رواه البخاري أيضاً؛ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «قام النبي - صلى الله عليه وسلم - وقام الناس معه فكبر وكبروا معه، وركع وركع ناس منهم، ثم سجد وسجدوا معه، ثم قام للثانية فقام الذين سجدوا وحرسوا إخوانهم، وأتت الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا معه، والناس كلهم في صلاة، لكن يحرس بعضهم بعضاً» (3) .
ولعل أحرج صورها على الإطلاق أن يصليها كل واحد لنفسه ركعة واحدة بالإيماء؛ وذلك أنه إذا اشتد الخوف، كما هو الحال عند المسايفة، ونحوها من الاشتباك في القتال، يصلي كل واحد لنفسه ركعة واحدة، راكباً أو راجلاً، مقبلاً ومدبراً. قال القرطبي في تفسيره: «واختلفوا في صلاة الخوف عند التحام الحرب، وشدة القتال، وخيف خروج الوقت، فقال مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وعامة العلماء: يصلي كيفما أمكن؛ لقول ابن عمر: «فإن كان خوف أكثر من ذلك فيصلي راكباً أو قائماً يومئ إيماء» . قال في الموطأ: مستقبل القبلة وغير مستقبلها» (4) ، وهذه من عجيب صورها. فانظر ـ رحمك الله ـ هل يبلغ شيء من أعذار الناس اليوم ما ذكره العلماء من الشدة والحرج في القتال، ولم يروا مع ذلك رخصة في تركها، أو تأخيرها عن وقتها؟