فإن من الناس من يعيش لنفسه، يرعى مصالحه، ويسوس أمره، لا يرى غير صورته، ولا يسمع إلا صوته، ولا يشير إلا لنفسه، قد انغلق على ذاته، وعكف على شئونه، وانفرد بحياته، فليس له في الحياة أثر، ولا في الواقع موقع.
إن سألت عنه غيره أنكره، فلا أحد يعرفه، وإن غاب لم يفتقد، وإن حضر لا يفرح به ولا يستبشر، ليس له موقع من الإعراب، فحضوره كالغياب، وسفره كالإياب، ومجيئه كالذهاب، وموته كالحياة، فلا يُعرف بالمعروف، ولا يذكر بخير، فليس له على الناس يد، وليس له عليهم فضل.
يموت حين يموت فتبكيه زوجته مجاملة، ويتصنع عليه البكاء ولده، ويتظاهر بفقده الجيران، والحقيقة أنهم نسوه حالما دفنوه، وأصبح مدفوناً تحت ركام النسيان!
هل يستوي هذا مع من تبكيه الدنيا ـ كل الدنيا ـ ويحزن عليه الناس ـ كل الناس! عند موته أو غيابه؟!
يغيب فيزيد حبه، ويبعد فيتضاعف قربه، تحن لذكره الأسماع، وتتشوف لرؤيته الأنظار، وتتشوق لمجالسته القلوب، يتكلم فيسمع الناس، ويأمر فيأتمر له الخلق، ليس لسلطانه أو ماله أو حسبه ونسبه، وإنما لسلطان حبه، فيده تعطيهم، وجاهه يشملهم، وماله يصلهم، وكلامه العذب يسل سخيمة نفوسهم، وهداياه تزرع المحبة في قلوبهم، وعطاياه تفرج عن مكروبهم وتنفس عن منكوبهم، فله عليهم ـ بعد الله ـ سابقة الفضل!
ترتفع أيديهم له بالدعاء، وتنطلق ألسنتهم عليه بالثناء، وتخفق قلوبهم بحبه، وتحن نفوسهم لقربه، وإنما تُغشى بيوت الكرماء، وتقصد منازل النبلاء!
وهنا تبرز الإجابة على السؤال الكبير: كيف أعيش كبيراً؟!