إبراهيم في هذه الإجابة وهذا ما كان يريده ليندفع بكل قوة مخاطبا عقولهم إن كانت لهم عقول: (( قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً ولا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ ولِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) )وهنا لم يجد القوم بدا من تدبير المؤامرة عليه والتخلص منه (( قَالُوا حَرِّقُوهُ وانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إن كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وسَلاماً عَلَى إبْرَاهِيمَ * وأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ ) ) [الأنبياء: 51 - 70] .
أما عبادتهم للكواكب فقد سلك في دحض تعلقهم بها سبيل المناظرة وذلك فيما حكاه الله عنهم في سورة الأنعام، وسيأتي إن شاء الله تفصيل ذلك في رسائل إبراهيم العملية.
المرحلة الثالثة:
دعوته للملك، حين ناظره في ربه وذلك فيما حكاه الله - تعالى - عنهم في سورة البقرة فقال: (( أَلَمْ تَرَ إلَى الَذِي حَاجَّ إبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ المُلْكَ إذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ: ... ) )وتفصيل ما وقع فيها آت بإذن الله في الوسائل، وهذه المناظرة كانت فيما يظهر بعد نجاة الخليل من النار كما ذكره السدي ويدل عليه: أن العادة جارية بأن الأنبياء يبدأون بتكوين قاعدة شعبية حتى يكون للدعوة ثقل ثم يلتفتون إلى القيادة ليدعوها، وأيضاً، فمن عادة خصوم الدعوة ملاحقة الداعية وإحراجه ليفضح أمام الناس خصوصاً وأن إبراهيم بعد نجاته من النار بمعجزة التفتت إليه الأنظار وتعجب الناس من ربه الذي نجاه فبادر الملك إلى مناظرته ليوقعه في الحرج ظنا منه أن إبراهيم قد ينهزم في المناظرة، وما علم أنه المؤيد من عند الله وهو سيد المناظرين، ومنظرهم الأكبر، والمجادل عن حوزة التوحيد وحمى الملة بكل ألوان الجدل.
-ولا نستطيع الجزم بأن هذه المناظرة كانت بعد النجاة لكنه الذي يظهر من خلال ما تقدم من الأدلة والله أعلم.