فهرس الكتاب
واستدل ابن حجر لهذا المعنى بذكر بعض أنواع الأحاديث التي يحدث بها قوم دون قوم، فورد بعض ما اجتهد به علماء السلف ... فقال:
(وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب، ومن قبلهم أبو هريرة كما تقدم عنه في الجرابين وأن المراد ما يقع من الفتن، ونحوه عن حذيفة، وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج قصة العرينين، لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأوليه الواهي، وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهرة مطلوب) [1] .
ومما روى أيضا ما ذكره مسلم عن ابن مسعود:
(ما أنت بمحدث قوماً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) [2] .
قال ابن وهب:
(وذلك أن يتأولوه غير تأويله ويحملوه على غير وجهه) .
ولذلك فاختيار المربين لصنوف الدعاة في استماعهم لأنواع من الكلام يخضع إلى قواعد التربية وأصول البناء، ويحكم ذلك التجارب والممارسات الدعوية، وقد قيل:
(لكل تربة غرس، ولكل بناء أس) .
(ولكل ثوب لا بس ولكل علمٍ قابس) .
وما أحوج جمهور المربين والدعة لهذا المعنى، وأن يقتصر حديثهم على ما ينفع، وترك الخوض في ما يقود إلى الخلاف أو قسوة القلب، من حديث الوجاهات، وأقاويل الفتن، وحوار القادة، وخلافات الأقران، وأخبار السوء.
وقد اعتبر بعض العلماء أن من الضرورة كتمان العالم لبعض العلم، بل وأنها من مظاهر الإمامة، فقد قال الإمام مالك مؤكدا لهذا المعنى:
(لا يكون إماما أبدا، وهو يحدث بكل ما سمع) [3] .
فأنظر لهذا الفقه الوافر من الفقيه الجليل، فالفقه ليس بكثرة الكلام، وإنما باختياره لمن يصلح هله .. ولذلك قيل:
(1) - فتح الباري 1/ 225.
(2) - مقدمة صحيح مسلم
(3) - مقدمه صحيح مسلم.