والصحابة إنما وقع منهم الخطأ في هذه الحادثة في الكيفية التي أرادوا بها تغيير ما رأوه من المنكر بمعنى أن ' التعسير ' كان في الأسلوب الذي اتخذوه لذلك، أما كون ما فعله الأعرابي من البول في المسجد منكرًا فهذا شيء لم ينكره عليهم - صلى الله عليه و سلم - بل أقرهم عليه من خلال تعليمه للأعرابي، وإراقة الماء على بوله، وهذه القصة تشير إلى مثيلاتها وتبين حكم نظيراتها، وقد استطردنا في هذه القضية؛ لأهميتها، وبسبب الخلط الواقع فيها، وسوء فهم الكثيرين لها.
وكما ذكرنا فإن هم الخطيب، أو الداعية، أو الكاتب ينبغي أن لا يكون محصورًا في إيصال ما عنده فحسب دون اعتناء وحرص لفهم المخاطبين لقضيته، واستيعابهم لمقاصده ومسائله، فكثيرا ما تسمع:
'عليك بالبلاغ، ولا يهمك مَن قَبِل ممن لم يقبل'، وهذه الكلمة تحتمل معنى صحيحًا - وإن كان ليس المتبادر إلى الأذهان - وتحتمل معنى خاطئًا:
أما المعنى الصحيح: فهو أن المسلم ينبغي أن تشد همته نحو الدعوة إلى الله، وتبليغ دينه وإيصاله للناس، ويبذل جهده في اختيار الأساليب وتنويعها بحسب أحوال من يخاطبهم، والصبر عليهم في تفهيمهم الحق، ثم بعد ذلك من نكص على عقبيه، وأعرض، فلا يحمل الداعية همّه، ولا يحرف الحق لأجله، أو يشوه صورته، ويمسخ شخصه استعطافًا لقلبه، فيكون معنى العبارة آنفة الذكر من نحو قوله - تعالى: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ [21] لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ [22] } [سورة الغاشية] . وغيرها من الآيات.