فهرس الكتاب

الصفحة 3871 من 4219

وسابع تلك المآثر ورعه وعفته وتواضعه , فكان لا يلبس إلا ما يحل لبسه , وتطيب به نفسه كالكتان والقطن والصوف , كما كانت مجالسه مصونة من الحظر , ومنزهة من الهزء والهزل , آهلة بأهل الفضل , وما سُمعت له قط كلمة تسقط , ولا لفظة فظة تسخط , وكان من جالسه لا يعلم أنه جليس السلطان , بل يعتقد أنه جليس أخ من الإخوان , وكان حليما مقيلا للعثرات , متجاوزا عن الهفوات تقيا نقيا وفيا صفيا.

يقول أحد المرافقين له: ولقد كان يسمع من المستغيثين إليه والمتظلمين أغلظ ما يمكن أن يسمع , ويلقى ذلك بالبشر والقبول0

ومع ذلك كان يغضب للكبائر , ولا يغضي عن الصغائر , متشبها برسول الله الذي ما غضب لنفسه قط , وما كان يغضب إلا إذا انتهك حد من حدود الله , ويرشد إلى الهدى , ويهدي إلى الرشاد , ويسدد الأمر , ويأمر بالسداد ,وكان مماليكه وخواصه بل أمراؤه وأجناده أعف من الزهاد.

قال ابن شداد: وأما صبره فلقد رأيته بمرج عكا , وهو على غاية من مرض , اعتراه بسبب كثرة دماميل كانت ظهرت عليه من وسطه إلى ركبته , بحيث لا يستطيع الجلوس , وإنما يكون متكئا على جانبه إذا كان في الخيمة , وامتنع من مد الطعام بين يديه لعجزه عن الجلوس , وكان يأمر أن يفرق على الناس , وكان مع ذلك كله يركب من بكرة النهار إلى صلاة الظهر , يطوف على الأطلاب , ومن العصر إلى صلاة المغرب , وهو صابر على شدة الألم , وقوة ضربان الدماميل , وكنا نعجب من ذلك , فيقول ـ رحمه الله ـ إذا ركبت يزول عني ألمها حتى أنزل , قال: وهذه عناية ربانية.

وكان طاهر المجلس لا يذكر بين يديه أحد إلا بالخير , وطاهر السمع , فلا يحب أن يسمع عن أحد إلا بالخير , وطاهر اللسان , فما رأيته أولع بشتم قط , وطاهر القلم , فما كتب بقلمه أذى لمسلم قط , وكان حسن العهد والوفاء , وكان ما يرى شيخا إلا ويرق له , ويعطيه ويحسن إليه , ولم يزل على هذه الأخلاق إلى أن توفاه الله عز وجل إلى مقر رحمته ومحل رضوانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت