فهرس الكتاب

الصفحة 3889 من 4219

مسكين من جادل الشافعي وناظره، مسكين من عارضه وكابره، مسكين من عرفه وما ذاكره.

درس محمد بن إدريس علوم محمد صلى الله عليه وسلم فترك علماً لا يغسله الماء ولا تطفئه الريح ولا يلفه الظلام، ولا ينسيه الدهر، الرسوخ في يسر، العمق في سهولة، الأصالة في إشراق، البراعة في نصوع.

أهل فارس يعرفونه، وأهل الصين يذكرونه، وأهل الأندلس يمدحونه، وأهل الباطل يبغضونه إذا مزجت الآراء بزغ رأي الشافعي كالنجم الثاقب، إن تكلم أسكت الخطباء، وإن أنشد صمت الأدباء والبلغاء، أحب الملة فأمهرها روحه، وعشق العلم فأعطاه عمره، وأخلص للرسالة ففاضت لها نفسه، فهو عاشق المُثُل، سامي المقاصد، رجل المروءات، ناشر السنة بين أهلها، وناصرها على أعدائها، وحافظها لمحبيها، وشارحها لناقليها.

وإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال

ورث أنوار الرسالة، فألف للأمة الرسالة، مات أبوه فكفلته الأم، فقدم للناس كتاب الأم، إذا نطق الشافعي فكأن السيل أقبل، والفجر بزغ والنور سطع، صحة مخارج، حلاوة لفظ، قوة حجة، براعة دليل، سلامة إنشاء (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) [الجمعة:4]

في الفقه إمام، في النقل حجة، في النسك علَم، في اللغة أستاذ في الذكاء آية.

سرت به أمة من غزة فسبحان الذي أسرى، وعاش في مكة لينفع أم القرى.

الشافعي لم يستند إلى النسب ولو أنه مُطلّبيّ، ولم يتكل على الجاه فهو أبيّ، ولكن أخذ بأسباب الخلود، وهجر أسباب الفناء، فأمات في حياته النفس الأمارة، وأحيا بوفاته النفس المطمئنة، فنوديت (ارجعي إلى ربك راضية مرضية) [الفجر:27] .

إذا كانت الحياة بالبساط والسياط والسلطة والسطوة فأين أصحابها بعد موتهم (هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً) [مريم:98] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت