ويصف المترجم رحمه الله أوضاعهما تلك بقوله: (كنا كثيراً ما نبقى في المدرسة أثناء فرصة الغداء دون طعام، حتى إن أخي كان يبكي أحياناً من شدة الجوع، على حين أشغل نفسي باللعب عن آلام الحرمان) .
وبإزاء هذا البؤس اضطر أخوهم بدر الدين إلى قطع دراسته ليسعى في طلب الرزق لمساعدتهما وتعليمهما، ولا سيما بعد أن أوشك ما لهما على النفاد فكان لهما بمثابة الأم والأب
على أن هذا المأزق الصعب لم يقطع اليتيمين عن الدراسة، فقد حزم بدر الدين عزمه على تعليمهما مهما لقي في ذلك من العنت، وقد ركز اهتمامه بوجه خاص على محمد، لما كان يبدو عليه من ملامح الذكاء والاجتهاد، وبخاصة بعد أن رأى تفوقه على سائر رفاقه، وهكذا أتيح له أن يتنقل من صف إلى آخر من المدرسة الابتدائية، حتى فرج الله كربة الحرب، وعين بدر الدين معلماً في العام 1920، فكان في راتبه متسع لتوفير حياة أيسر لهم جميعاً .. وكان المأمول أن يتابع محمد دراسته بعد إنهائه المرحلة الابتدائية في القسم الإعدادي، بيد أنه لم ينسجم مع ذلك الجو الجديد، وظل متطلعاً إلى إيثار التعليم الشرعي في حلقات الشيوخ، فاستجاب له أخوه، وألحقه بدكان خياطة فكان يعمل فيها نهاره، فإذا جاء المساء قصد إلى دروس العلماء في المساجد، واستمر على ذلك حتى افتتحت مدرسة (دار العلوم الشرعية) فما لبث أن هجر الخياطة إليها، مع استمراره على حضور تلك الحلقات.