أتساءل عن السر الذي يحفز هذه السيول من الجموع على تحمل الحر والزحام طوال ساعات، لا تفارق الموكب الحزين حتى تودع الثرى جثمان الرجل، الذي زحفت لتشييعه من أنحاء القطر السوري، ومن كل بلد مجاور اتسع وقته وظروفه للمشاركة في هذا التشييع؟
أتقديراً لعلم الفقيد .. وقد كان من العلم في المكان المرموق
أتعظيماً لجاه ناله من الدنيا!!!!!؟ وقد كان له الجاه الذي يغبطه عليه الكثيرون من أهل الدنيا ؟
أم تزلفاً إلى قوم من الأحياء يبتغون لديهم المنفعة بهذه المشاركة!!!!؟ ولكن كثيراً من العلماء الكبار يموتون كل يوم .. فما يكاد يحس بهم أحد .. وأكثر من هؤلاء أصحاب الجاه الذين تسنموا بالحق أو بالباطل أرفع المنازل، ثم ذهبوا من هذه الدنيا أذلة لا يكاد يذكرهم أحد، إلا عند تعداد السيئات .. وتوزيع اللعنات ؟
وأما المنفعة فهي أبعد الأشياء عن هذه المناسبة .. بل لعل ضررها على المشارك فيها هو الشيء الطبيعي، الذي لا ينبغي أن نتوقع سواه.
والحق الذي يحسه كل ذي ضمير، ويدركه كل ذي تفكير، هو أن هذه الآلاف المؤلفة إنما زحفت ونصبت وصبرت تمجيداً للفكرة التي دفع السباعي حياته كلها ثمناً لها، وأذاب قلبه الكبير وقوداً لاستبقاء وهجها، في إخلاص لله لم يشبه مطمع دنيوي، وجهاد للحق لم يستهدف سوى تحرير الوطن الإسلامي من سلطان الطغيان أياً كان مصدره، وتحريراً للفكر العربي والإسلامي من كل استعباد مهما يكن أثره ومؤثره.
والإخلاص لله، والجهاد في سبيله، كانا وانفكا في تاريخ هذه الأمة مبعث العزة، ومنطلق الخلود .. وصدق الفاروق أمير المؤمنين إذ يهتف في وجه أبي عبيدة أمين هذه الأمة:
"... نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما نبتغ العزة بغيره أذلنا الله".