وبرغم هذا العطاء المبكر يقول الشيخ محمود شاكر عن الفترة الأولى من حياته: قضيت عشر سنوات من حياتى في حيرة زائغة، وضلالة مضيئة، وشكوك ممزقة، حتى خفت على نفسى الهلاك، وأن أخسر دنياى وآخرتى، محققا إثما يقذف بى في عذاب الله بما جنيت، فكان كل همى يومئذ أن ألتمس بصيصا أحتذى به إلى مخرج ينجينى من قبر هذه الظلمات المطبقة علي من كل جانب. فمنذ السابعة عشر من عمرى الى أن بلغت السابعة والعشرين كنت منغمسا في غمار حياة أدبية بدأت أحس إحساسا مبهما متصاعدا بأنها حياة فاسدة من كل جانب.
ويواصل شيخنا الحديث عن نفسه قائلا: لم أجد لنفسى خلاصاً إلا أن أرفض متخوفا حذرا شيئا فشيئا أكثر المناهج الأدبية والسياسية والاجتماعية والدينية التى كانت يومئذ تطغى كالسيل الجارف يهدم السدود، وبقوض كل قائم في نفسى، وفى طريقى، ويومئذ طويت كل نفسى على عزيمة ماضية أن أبدأ وحيداً متفردا رحلة طويلة جدا، وبعيدة جدا، وشاقة ومثيرة جدا ..
بدأت بإعادة قراءة الشعر العربى كله، أو ما وقع تحت يدى منه على الأصح، واكتسبت بعض القدرات بلغة الشعر ويفن الشعر، ثم تدرجت وقرأت ما يقع تحت يدى من كتب أسلافنا من تفسير لكتاب الله، إلى علوم القرآن الكريم مع اختلافها الى دواوين من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وشروحها، إلى ما تفرع عليه من كتب علماء الحديث وكتب الجرح والتعديل إلى كتب أصول الفقه وأصول الدين، وشئت بعد ذلك من أبواب العلم.
وسافر شيخنا الى السعودية فتره من الزمن وأنشأ هناك مدرسة جدة الابتدائية على المبادئ والقيم الإسلامية التى لا تتبدل ولا تتغير.
ومع بداية الستينيات بدأ معركة فكرية أخرى مع الكاتب العلمانى لويس عوض الذى أعلن أن الصفحات الرائعة من التراث العربى يرجع الفضل فيها لليونانيين، واللاتينيين ثم راح يشكك في الشعر العربى، وجذوره الثقافية كأنه يريد أن يسير على نفس الدرب الذى سار عليه طه حسين والتغريبيون.
معركته مع طه حسين