فهرس الكتاب

الصفحة 458 من 4219

لا نقول له: تعال وفكر، هكذا في عملية ميكانيكية جافة، ولكن التفكير والتأمل وتوارد الخواطر الرحمانية والنظر إلى يوميات الحياة بعين البصيرة سيكون نتيجة طبيعية لخلوته مع نفسه وبعده عن الاضطراب، ولو كانت الخلوة ي غير المسجد آمنة لأقررناها، ولكن شاء الله أن يجعل البركة في بيوته ويخصها بخصائص تنفرد بها.

بإمكاننا أن نعلمه هذه الخلوة لساعة أو لبضع ساعات متفرقة خلال اليوم، تقل وتزيد، ونختار لها الأوقات التي لا تتعارض مع النشاط العام، لا بطلب وأوامر، بل بتشويق عملي من خلال صحبتنا له قبل أداء الفروض وبعدها، وتلاوة القرآن أمامه، وكأننا اليوم لا نتقن ذلك، ونرجح اللقاء الجماعي معه في الأندية والملاعب ومجالس النقاش، وليس في هذا الترجيح عيب، ولكن اعتماد أسلوبنا عليه فقط هو المعيب، حتى بتنا لا ندخل المسجد إلا قبيل الإقامة، ونسرع الخروج منه بعيد السلام.

كلا، بل علينا أن نوازن ولا نجعل اللبث في المساجد ضامرًا، فإن خريج المسجد غالبا ما يكون عاقلا رزنا مترويا، ذائقا لثمرات الإيمان، ذاتي الاندفاع، ليس بالمطيع فقط، ولكنه المبتكر، ولا السائر بحركة مسيرة أصحابه فحسب، ولكنه المتقدم الحادي.

كأننا أيها الإخوة نلمس تكبرا على المسجد عند بعض جدد المصلين المثقفين والجامعيين، يدخلونه وقت الفرض فقط، ويأنسون بالمجالس خارجه، وربما كانت هذه الظاهرة ناتجة عن الدعاية العرفية التي تعلي مكانة الجامعة في تطوير المجتمع، فتأخذ طالبها وخريجها نشوة جاهلية تختلط بصلاته، ومن اللائق أن نرده إلى قيمته الحقيقية، وأن ندله على طريق البداية الإيمانية الذي لا بد وأن يمر بالمسجد طويلا.

إن العيش في المجتمع العام، والتفاعل مع أحداثه، قد يستهلكان المخزون الإيماني الذي يملكه المدعو، فيقف عطاؤه عند حد ويفلس، وعلاج ذلك: أن نجعل له موردا دائما تتكفل به حياة المسجد، وما فيها من سكون وصفاء نفس، ورحمة متنزلة وإلهام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت