قالوا: (كان صاحب صدق وإخلاص، قانعًا باليسير، شريف النفس، شجاعًا مقدامًا، مجاهدًا، زاهدًا، عابدًا، ورعًا، يخرج من بيته ليلا، ويأوي إليه ليلا، ولا يجلس في مكان معين بحيث يقصد فيه، لكنه يأوي المساجد المشهورة خارج البلد، فيختلي فيها للصلاة والذكر، وكان كثير العبادة والتأله، والمراقبة والخوف من الله تعالى) [1] .
وفي سرد مثل هذه الأوصاف المجتمعة ما يخبرك أن الشاعر لم يكن خياليا متوهما لما رسم صورة الحر، وإنما هي نماذج واقعية حية أفيطمع أن يأخذ دعاة الإسلام اليوم من هذا الفقيه جهاده وشجاعته وإقدامه، دون زهده وورعه وذكره؟
ويبرز إبراهيم بن على الواسطي ثم الشامي المتوفى سنة 692 قدوة أخرى، ونموذجا لهذا الشمول، فقد وصفوه بأنه (ملازم للتعبد ليلا ونهارًا، قائم بما يعجز عنه غيره، ومبالغ في إنكار المنكر، بائع نفسه فيه، لا يبالي على من أنكر، يعود المرضى، ويشيع الجنائز، ويعظم الشعائر والحرمات، وعنده علم جيد، وفقه حسن، وكان داعية إلى عقيدة أهل السنة والسلف الصالح، مثابرًا على السعي في هداية من يرى فيه زيغًا عنها) [2] .
وما تطمح تربيت إلى تكوين رجال أوفى منه في هذه الخلال، وكأن من يصفه يصف نموذج الداعية الذي نريده، يتحرك حركته اليومية الجامعة.
أفيطمع أن يأخذ دعاة الإسلام منه إنكاره المنكر، واختلاطه بالناس وعلمه دون عقيدته وعبادته؟
إن طبيعة الشخصية التنفيذية ليست سياسية بحتة، ولا يكفيها تفاعلها التربوي مع المواقف، فإن الولاء السياسي لا يرتقي إلى درجة الولاء الإيماني، وقد يخالطه طمع دنيوي، وهذه الصور والنماذج السلفية الأصيلة تعظ المخطط السياسي المسلم وتجبره على أن يمر بالدعاة المنفذين المخططة في الممر التربوي الإيماني الأخلاقي، لينمي فيهم عشر صفات متكاملات مترابطات، تسمح له أن يطمع بفوز، وأن يعد المستضعفين به، وأن يتمنى.
(1) ذيل طبقات الحنابلة 2/ 382.
(2) ذيل طبقات الحنابلة 2/ 230.