وهناك نفوس تستطيع أن تخلق من كل شيء شقاء، ونفوس تستطيع أن تخلق من كل شيء سعادة، وهناك المرأة في البيت لا تقع عينها إلا على الخطأ. فاليوم أسود لأن طبقًا انكسر، ولأن نوعًا من الطعام زاد الطاهي في ملحه، أو أنها عثرت على أوراق مبعثرة، فتهيج وتسب كل من في البيت، فإذا هو شعلة من نار، وهناك رجل ينغص على نفسه وعلى من حوله من كلمة يسمعها، أو يؤولها تأويلًا سيئًا، أو من عمل تافه حدث له أو حدث منه، أو من ربح خسره، أو كان ينتظره فلم يقع، فإذا الدنيا كلها سوداء في نظره، ثم هو يسودها على من حوله، هؤلاء عندهم قدرة على المبالغة في الشر، وليس عندهم قدرة على الخير، فلا يفرحون بما أوتوا ولو كان كثيرًا، ولا ينعمون بما نالوا ولو كان عظيمًا.
يقول أحمد أمين:"وأكثر الناس لا يفتحون أعينهم لمباهج الحياة، وإنما يفتحونها للدرهم والدينار، يمرون على الحدائق الغناء والأزهار الجميلة والماء المتدفق، والطيور المغردة فلا يأبهون لها، وإنما يأبهون لدينار يأتي ودينار يخرج كأن الدينار وسيلة للعيشة السعيدة فقلبوا الوضع، وباعوا العيشة السعيدة من أجل الدينار".
الثقة بالنفس
لا شيء أقتل للنفس من شعورها بضعفها، وصغر شأنها وقلة قيمتها، وأنها لا يمكن أن يصدر عنها عمل عظيم، ولا ينتظر منها خير كبير، هذا الشعور بالضعة يفقد الإنسان الثقة بنفسه، والإيمان بقوتها، فإذا أقدم على عمل ارتاب في مقدرته، وفي إمكان نجاحه، وعالجه بفتور ففشل فيه، الثقة بالنفس فضيلة كبرى عليها عماد النجاح في الحياة، وشتان بينها وبين الغرور الذي يعد رذيلة، والفرق بينهما أن الغرور اعتماد النفس على الخيال، وعلى الكبر الزائف، والثقة بالنفس اعتمادها على مقدرتها على تحمل المسؤولية وعلى تقوية ملكاتها، وتحسين استعدادها.