فالمصلح الإيجابي هو من يسعى لاغتنام الفرص حين تتاح أمامه، وله أسوة بإمام المصلحين صلى الله عليه وسلم، فقد كان هذا شأنه وديدنه. فحين جاءت امرأة من السبي تحتضن صبيها ذكّر صلى الله عليه وسلم أصحابه برحمة الله لعباده.
وحين يكون مع أحد أصحابه يعلمه ويوصيه، وحين يكون الموقف مؤثرًا يعظ أصحابه كما في حديث البراء بن عازب المشهور.
إن الذين يثمِّنون الفرص لا يقف الأمر لديهم عند مجرد اغتنامها حين تتاح، بل هم يبادرون؛ لأنهم يدركون أنها لا تدوم.
وقد أوصى صلى الله عليه وسلم أمته بذلك فقال:"اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك".
وهاهو يوسف عليه السلام حين عبّر رؤيا السلطان وأخبر أنهم أمام سبع سنين من الرخاء، وسبعٍ من الشدة أمرهم أن يغتنموا فرصة الرخاء ليدخروا لسني الجفاف.
والمصلح الإيجابي يتجاوز مجرد اغتنام الفرص التي تتاح له ليبحث عنها ويفتش، وهاهو صلى الله عليه وسلم في سيرته يغتنم فرص اجتماع قومه ليدعوهم، ويبحث عن فرص أخرى ليدعو غيرهم، فقد كان يوافي الموسم كل عام يتبع الحاج في منازلهم وفي المواسم بعكاظ ومجنَّة وذي المجاز يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ولهم الجنة.
وحين لا يجد المصلح فرصة سانحة أمامه، ويفتش يمنة ويسرة؛ فإنه يسعى لأن يوجد الفرصة؛ فالحاجة أم الاختراع، ولن تعجز عقول المصلحين عن أن تهيئ الفرص وتوجدها، فها هم صناع السلاح والمتاجرون به حين تكسد سوقه يفتعلون المعارك والحروب ويؤججون نارها ليروجوا بضاعتهم، وهاهم أصحاب رؤوس الأموال يُغرقون الناس بالدعاية لمنتجاتهم حتى يوجدوا فرص تسويقها.
وقديمًا كان الصياد حين لا تتاح له فرصة اجتماع الطير يلقي له طُعمًا حتى يجتمع فيصيده.