أيتها الأخت يوم كنا بلا أزواج كانت لنا أفكار، وكانت لنا أنشطة، وكانت لنا همم، ولكن مسؤولية الزوج والبيت والأبناء لا تدع لك مجالاً للتفكير.
وهكذا، ما أكثر الكلمات من هذا النوع، ولكن لكي تحافظي على هذه الهمة فعليك أن تعملي بصمت.
ثم لاح لي في هذا الجو ظل أخت لا أراها إلا صامتة عاملة، أم لأربعة أطفال، ومسؤولة عن المحاضرات المدرسية، وأول من ينظم لحفلاتها وأنشطتها، وهي مع ذلك مدرسة ناجحة.
تسهر بين الكتب لتلم بجوانب درسها، وداعية موفقة في وسط مجتمعها وبين أفراد عائلتها، من خلال المحاضرات التي تلقيها في كثير من المناسبات والأماكن العامة.
وإلى جانب ذلك فهي أخت ناصحة لا تدخر وسعاً في تقديم المشورة والرأي لأخواتها، بل وتسعى في تلبية حاجتهم الدنيوية أيضاً، وإذا ما ذكرت أحوال المسلمين فهي أولى الباذلات بالمال والشريط والكتاب.
تلك هي سيرتها في المدرسة، أما بيتها فيحوي أطفالاً متفوقين، ولا أظن خلفتهم إلا أم واعية أحسبها كذلك ولا أزكيها على الله.
سألت عن عمرها الوظيفي فقيل لي: أنها جاوزت الثمان سنوات وهي على هذا الحال، فقلت: الحمد لله هذه حجة عليكن.
هذا هو ما أبحث عنه، إنها الشخصية المتكاملة التي تفتقدها المرأة المسلمة، والتي رضيت لنفسها براتب ضخم لم (تحلل) ولا ربعه، وأسرة ضائعة، وزوج يعاني، وأبناء مهملين، أما الدعوة فلا وقت لديها للتفكير فيها أصلاً، ولو سئلت هذه الأخت هل منعك التدريس من زيارة السوق ولو مرة في الأسبوع، لقالت: لا تلك ضرورة.
عاد لي حماسي قليلاً وأنا أنظر إلى سيرة هذه الأخت بعد أن كرهت الزواج الذي سيعزلني عن الدعوة وعن حياتي الحقيقية، مع قناعتي أن في تلك اللحظة سأضطر إلى ترك هذه الوظيفة لأتفرغ لأداء الرسالة الحقيقية، والتي لن تقل عن التدريس متعة، فكلا مقصديها شريف.