فهرس الكتاب
يقول ابن القيم ـ مقرراً هذه الوسطية ـ: (لما كان العبد لا ينفك عن الهوى ما دام حياً ـ فإن هواه لازم له ـ كان الأمر بخروجه عن الهوى بالكلية كالممتنع، ولكن المقدور له والمأمور به أن يصرف هواه عن مراتع الهَلَكة إلى مواطن الأمن والسلامة؛ مثاله أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ لم يأمره بصرف قلبه عن هوى النساء جملة؛ بل أمره بصرف ذلك إلى نكاح ما طاب له منهن من واحدة إلى أربع، ومن الإماء ما شاء، فانصرف مجرى الهوى من محل إلى محل، وكانت الريح دبوراً فاستحالت صباً) (3) .
واتباع الشهوات والانكباب عليها يؤول إلى استيلائها على القلب، فيصير القلب عبداً وأسيراً لتلك الشهوات، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية:(إن المتبعين لشهواتهم من الصور والطعام والشراب واللباس يستولي على قلب أحدهم ما يشتهيه حتى يقهره ويملكه، ويبقى أسير ما يهواه يصرفه كيف تصرّف ذلك المطلوب.
فما يمثله الإنسان في قلبه من الصور المحبوبة تبتلع قلبه وتقهره، فلا يقدر قلبه على الامتناع منه؛ فيبقى مستغرقاً في تلك الصورة .. والقلب يغرق فيما يستولي عليه: إما من محبوب وإما من مخوف، كما يوجد من محبة المال والجاه والصور؛ والخائف من غيره يبقى قلبه وعقله مستغرقاً كما يغرق الغريق في الماء) (4) .
وقد قال الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ: (من لزم الشهوات لزمته عبودية أبناء الدنيا) (5) .
وإذا كان الإفراط والانهماك في الشهوات مذموماً شرعاً، كما قال ـ عز وجل ـ: (( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَياً ) ) [مريم: 59] ؛ فكذلك اتباع الشهوات مذموم عقلاً؛ فإن العاقل البصير ينظر في عواقب الأمور، فلا يُؤْثِرُ العاجلة الفانية على الآخرة الباقية.