فهرس الكتاب
قال أيضاً: (ولا ريب أن محبة الفواحش مرض في القلب؛ فإن الشهوة توجب السّكْر، كما قال ـ تعالى ـ عن قوم لوط:(( إنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) ) [الحجر: 72] ، وفي الصحيحين ـ واللفظ لمسلم ـ من حديث أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (العينان تزنيان وزناهما النظر) الحديث إلى آخره. فكثير من الناس يكون مقصوده بعض هذه الأنواع المذكورة في هذا الحديث كالنظر والاستماع والمخاطبة، ومنهم من يرتقي إلى اللمس والمباشرة، ومنهم من يقبّل وينظر، وكل ذلك حرام، وقد نهانا الله ـ عز وجل ـ أن تأخذنا بالزناة رأفة بل نقيم عليهم الحد، فكيف بما هو دون ذلك من هجر وأدب باطن ونهي وتوبيخ وغير ذلك؟ بل ينبغي شنآن الفاسقين وقليهم على ما يتمتع به الإنسان من أنواع الزنا المذكورة في هذا الحديث المتقدم وغيره) (27) .
وتحدّث ابن القيم ـ في غير موضع ـ عن مفاسد الزنا وما يحويه من أنواع الشرور ... فكان مما قاله ـ رحمه الله ـ:(والزنا يجمع خلال الشر كلها من قلة الدين وذهاب الورع، وفساد المروءة وقلة الغيرة، فلا تجد زانياً معه ورع، ولا وفاء بعهد، ولا صدق في حديث، ولا محافظة على صديق، ولا غيرة تامة على أهله ...
ومن موجباته: غضب الرب بإفساد حرمة عياله، ومنها: سواد الوجه وظلمته وما يعلوه من الكآبة والمقت، ومنها ظلمة القلب وطمس نوره ... ومنها أنه يذهب حرمة فاعله، ويسقط من عين ربه ومن أعين عباده، ومنها أن يسلبه أحسن الأسماء ويعطيه أضدادها. ومنها ضيق الصدر وحرجه؛ فإن الزناة يعاملون بضدّ قصودهم؛ فإن من طلب لذة العيش وطيبه بما حرمه الله عليه عاقبه بنقيض قصده؛ فإن ما عند الله لا يُنال إلا بطاعته، ولم يجعل الله معصيته سبباً إلى خير قط) (28) .
وقال في موضع آخر: (واعلم أن الجزاء من جنس العمل والقلب المعلّق بالحرام، كلما همّ أن يفارقه ويخرج منه عاد إليه، ولهذا يكون جزاؤه في البرزخ وفي الآخرة هكذا ...