فلو تأملت حال كل ذي حالة سيئة زرية لرأيت بدايته الذهاب مع هواه وإيثاره على عقله، ومن كانت بدايته مخالفة هواه وطاعة داعي رشده كانت نهايته العز والشرف والغنى والجاه عند الله وعند الناس. قيل للمهلب ابن أبي صفرة: بِمَ نلت ما نلت؟ قال: بطاعة الحزم وعصيان الهوى. فهذا في بداية الدنيا ونهايتها، وأما الآخرة فقد جعل الله ـ سبحانه ـ الجنة نهاية من خالف هواه، والنار نهاية من اتبع هواه) (10) .
وبالجملة: فإنه ما من داء إلا وله دواء عَلِمه من علمه، وَجهِله من جهله، والمتعيّن على من ابتلي بشيء من هذه الشهوات أن يبادر إلى أسباب النجاة ووسائلها .. بالعزيمة الصادقة، والصبر والمصابرة، وعلو الهمة والاشتغال بمعالي الأمور والابتعاد عن سفاسفها، والمجاهدة في ذات الله ـ تعالى ـ، ونهي النفس عن الهوى وإصلاح الخواطر الإرادات، وصحبة الصالحين، ودوام التضرع إلى الله ـ تعالى ـ والانكسار بين يديه سبحانه.
شهوة المال:
استولى على أفئدة كثير من الناس الولع بالمال، فأُشربوا حبه والتعلق به، فاستعبدهم الدرهم والدينار، وصار هِجّيراهم ومقصود هم وجلّ حديثهم واهتمامهم، فإن أحبوا فلا يحبون إلا لأجل المال، وإن أبغضوا فلا يبغضون إلا لأجل المال: إن أُعطوا رضوا، وإن لم يُعطَوْا إذا هم يسخطون.
ولقد ذمّ الله ـ تعالى ـ الدنيا في كتابه في غير موضع، كقوله ـ تعالى ـ: (( وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ ) ) [الحديد: 20] وقوله ـ سبحانه ـ: (( اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ ) ) [الحديد: 20] .
وأما الأحاديث في ذم الدنيا وفضل الزهد فكثيرة جداً؛ منها حديث أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم- على المنبر، وجلسنا حوله، فقال: (إنّ مما أخاف عليكم من بعدي ما يُفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها) متفق عليه.