الدعوة إلى الله - تعالى - وإلى نهجه، والعمل على خدمة الإسلام مسؤولية ملتزمي خط النبوة. ونصرة دين الله وتحقيق نهضة الأمة واستعادتها وعيها ورشدها يلزمه رؤية واضحة، وعملاً منهجيًّا بصيرًا، وأداء منظمًا، ومداومة على الفعل المنتج ولو كان قليلاً، ذلك أن"أحب العمل إلى الله أدومه وإن قلّ"، وأن"المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهراً أبقى"، كما تحتاج الدعوة إلى النفرة مصداقًا لقوله - تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا به قومهم إذا رجعوا إليهم) .
ولقد دلتنا السيرة النبوية وسيرة السلف الصالح أن الدعوة في ساعات العسرة لم تجد إلا أولئك الذين آمنوا بها وأعطوها حياتهم، أما الذين أعطوها فضلة وقتهم أو هامشًا من اهتماماتهم أو تجمعوا حولها في ساعة الرخاء؛ فإن الدعوة لم تجد لهم أثرًا، ومن وجدته تراه ينظر إليك"نظر المغشي عليه من الموت"خوفًا من تحمل المسؤولية، وتهربًا من أداء الواجب، وتنكرًا لتحمل نصيب من العبء.
ولهذا ميز الله البدريين وأصحاب بيعة الرضوان من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار عن غيرهم من المسلمين؛ لما لهم من همة عالية، وإخلاص للدعوة، ووعي بحقيقتها، والتزام بقيمها وأهدافها، وحفاظ على محتواها العقدي والأخلاقي، وتضحية في تحقيق مقاصدها الكبرى، وعمل على مراعاة جزئياتها المتكاملة. فكان أن غفر الله لهم ورضي عنهم وضاعف لهم الجزاء، وخلد ذكرهم في العالمين؛ لأنهم جيل أعطى ولم يأخذ، وبذل ولم ينتظر، ومنح كل وقته وماله وجهده وقواه للدعوة؛ فأفنى ما عنده في سبيل دعوة الله - تعالى - فأعطاه الله وجزاه بما لا يفنى جنة ونعيمًا. فكان بحق جيلاً قرآنيًّا فريدًا كما سماه سيد قطب -عليه رحمة الله-؛ تناغمت طموحاته وآماله وأفكاره وأعماله مع الدعوة الإسلامية، فكان خير أمة أخرجت للناس.