وقد حذر نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - من حال بعض الدعاة الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وهم لا يأتون المعروف ويأتون المنكر. يقول - صلى الله عليه وسلم:"يؤتى بالرجل يوم القيامة. فيلقى في النار. فتندلق أقتاب بطنه. فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى. فيجتمع إليه أهل النار. فيقولون: يا فلان! مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى. قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه" (1) .
ولقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يسأل ربه العلم النافع، ويتعوذ من العلم الذي لا ينفع، فقد كان يقول:"اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها" (2) .
قال الإمام ابن رجب الحنبلي:"من فاته هذا العلم النافع، وقع في الأربع التي استعاذ منها النبي - صلى الله عليه وسلم-، وصار علمه وبالاً وحجةً عليه، فلم ينتفع به، لأنه لم يخشع قلبه لربه، ولم تشبع نفسه من الدنيا، بل ازداد عليها حرصاً ولها طلباً، ولم يُسمع دعاؤه لعدم امتثاله لأوامر ربه، وعدم اجتنابه لما يسخطه ويكرهه" (3) .
ولقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم- يربي أصحابه على العلم النافع الذي يزكي النفس ويهذبها، وبذلك يكون قرنهم خير القرون التي حملت راية الإسلام إلى الآفاق، وتسلّم وراثة النبوة ليُسَلّمها لمن بعده. وتعاقبت الأجيال الفاضلة التي حملت راية الإسلام، وتلقت العلم للعمل، وتأدبت بآداب العلم وتحلّت بفضائله، فكانوا كما قال ابن سيرين:"كانوا يتعلمون الهديَ كما يتعلمون العلم" (4) .
وعن مالك أيضاً عن ابن شهاب أنه قال:"إن هذا العلم أدبُ الله الذي أدّب به نبيُّه - صلى الله عليه وسلم-، وأدب النبيَّ أمته، أمانة الله إلى رسوله ليؤديه على ما أُدي إليه، فمن سمع علماً فليجعله أمَامَهُ حجةً فيما بينه وبين الله عز وجل" (5) .