لقد يأس الصحابي السابق في إسلامه، المهاجر فرارا بدينه، من أن يفتنه قومه، يأس من إسلام عمر، فقد كان عمر شديد البطش بالمسلمين، قاسيا غليظا. ولكن ما كان ميئوسا منه وقع، وأسلم عمر، بل سبق اليائس منه في المنزلة، والمكانة، وغدا ثالث رجل في دولة الإسلام، وسماه الرسول - صلى الله عليه وسلم - الفاروق، وكان إسلامه عزا للإسلام وأهله.
والعجيب أيها الإخوة الأحبة أن أكثر المسلمين لا يعرفون عامرا، وليس فيهم من لا يعرف عمر - رضي الله عنهما -.
لقد من الله - تعالى - على عمر بما لم يمن به على اليائس من إسلام عمر، وتفضل على الميئوس منه بفضل عميم لم ينله اليائس ذلكم أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
المشهد الثاني: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قادم من الطائف، مجروح فؤاده، منهكة قواه، شارد ذهنه، يائسا من خير ثقيف، فقد مكث بينهم عشرة أيام يدعوهم إلى عبادة الله وحده، فقالوا: اخرج من بلادنا. وأغروا به سفهاءهم، فتبعوه يسبونه ويصيحون به، ورموه بالحجارة في عراقيبه، حتى اختضب نعلاه بالدماء، فلما رجع من الطائف بحاله تلك كئيبا، محزونا، كسير القلب، قد أجهد أيما إجهاد، ونال منه التعب كل منال. يقول - صلى الله عليه وسلم - عن نفسه: فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب أي قرن المنازل المعروف اليوم بالسيل الكبير. فرفعت رأسي فإذا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال، فسلم علي، ثم قال: يا محمد، ذلك، فما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. أي: لفعلت.